بغداد – نجلاء الطائي
أعلنت مديرية مكافحة عمالة الأطفال في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وجود ما يقارب من 1500 طفلًا يعملون في الشوارع والمعامل في بغداد، مؤكدة تشكيل فريق عمل مشترك مع عدة وزارات تُعني بملف عمالة الأطفال والذين يقيمون حاليًا في بغداد.
وتأتي هذه الإحصائية من أجل إيجاد "معالجة" مجتمعية لمشكلة "عمالة" الأطفال عن طريق وزارات التخطيط وحقوق الإنسان والعمل والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم العالي للحد منها، والعمل على إيجاد "الحلول" المناسبة لهم .
وتأتي هذه المعالجة من "الحكومة" العراقية التي تعتبر مرحلة الطفولة من أصعب المراحل وأهمها كونها الأساس الذي تتكون عليه فيما بعد الشخصية الإنسانية .
وتنتشر وجوه شاحبة لأطفال في شوارع بغداد لبيع المناديل أو أكياس النايلون أو الحلوى، هذه الأعمال هي مصدر رزقهم وإن كانت متعبة فأغلبهم من النازحين، دفعتهم الحاجة للعمل لتلبية متطلبات الحياة.
وذكر الطفل سليم أحمد أحد الأطفال الذين يعملون في الشوارع الرئيسية في بغداد، أن "الحاجة" هي من دفعته إلى العمل لسد رمق شقيقيه وأبيه المريض.
وفيما يشكو تعامل الزبائن معه لصغر سنه، يبدو أن أطفالًا نازحين آخرين في بغداد اضطروا للعمل يعانون الوضع ذاته.
فالسمة الغالبة عليهم هي النزوح من مناطقهم وعملهم الشاق وعدم تطبيق قانون مناهضة العنف الأسري بحقهم، لكنهم رغم اختلافهم يتأكدون أنهم سيعودون لمدارسهم ومناطقهم التي احتلها "داعش" بعد تحريرها.
ويتجول الطفل منير صبيح 5 سنوات عادة في سوق الأعظمية، ويحمل صندوقًا يحتوي المواد الخاصة بصباغة الأحذية، يتذمر أحيانًا حينما لا يدفع له الزبون المبلغ الذي اتفقا عليه.
وقال منير لـ"العرب اليوم "إن "جني المال ليس سهلًا في هذه المنطقة فالزبائن يوجهون لي الشتائم والسباب حين أطالب بحقي، فمعظمهم هنا يحتقرون مهنتي، لذلك لا يدفعون لي المبلغ الذي أطلبه، ويتحججون بأنني لا أجيدها لأنني ما زلت صغيرًا".
وأضاف منير "أعيش مع والدي المريض وشقيقيّ اللذين ما زالا في المدرسة، ولأنني الأكبر اضطررت إلى العمل، بخاصة أن راتب الحماية الاجتماعية لا يكفي لسد كلفة علاجه".
وتابع الطفل ذو الخمسة أعوام "لم أجد خيارًا غير العمل لأوفر احتياجات المنزل ومصاريف المدرسة، أكسب حوالي 25 ألف دينار يوميًا وفي الأعياد وغيرها، أجني نحو 50 ألفًا وأحياناً أكثر، أجني أكثر من الموظف، الفارق الوحيد بيننا أنه أكمل دراسته فيما شاء القدر أن أترك المدرسة".
وأردف الطفل "لا يقتصر العمل في منطقة بذاتها فحسب، بل نقوم بين فترة وأخرى العمل في مناطق متفرقة، ونزوح الأسر إلى العاصمة بغداد جعل هناك صعوبة في إيجاد عمل .
ونزح الطفل يوسف شاكر مع أسرته من محافظة الأنبار ، استقر بهم المطاف إلى منطقة الأعظمية، بعدما كانوا قد مكثوا لبعض الوقت في مخيم الخازر في أربيل، ودفعته ظروف أسرته الاقتصادية السيئة إلى العمل مع أخوته لبيع أكياس النايلون للمارة في سوق الخضراوات.
وذكر يوسف شاكر 9سنوات في حديث إلى "العرب اليوم "نزحنا من الأنبار بعد دخول تنظيم "داعش"، إلى المحافظة ، وسكنّا منطقة الأعظمية المزدحمة، حيث تكاليف المعيشة في العاصمة باهظة، إضافة إلى ارتفاع أسعار المنازل، مما اضطررنا إلى إعانة والدي في دفع الإيجار .
وأشار إلى أن "الأعمال غير متوفرة للنازحين وقد تعب والدي من البحث عن فرصة عمل هنا، فاضطررت وإخوتي للعمل، وخسرنا سنتنا الدراسية لأنه لا يوجد مدارس للنازحين".
وأكد الطفل ذو 9 أعوام، بدأت وإخوتي العمل على تأمين مصاريف الأسرة، حتى أن الناس يتعاطفون معنا، ومنهم من يعطينا المال من دون شراء أية شيء"، مشددًا "أنا لست بمتسوّل بل أعمل بكد وسأعود إلى بيتي ومدرستي بعد خروج "داعش".
وأوضح عضو حقوق الإنسان هيمن باجلان، والذي يعمل في منظمة حقوق الإنسان الدولية في تصريح خاص لـ "العرب اليوم "بدأنا نلاحظ انتشارًا كبيرًا لظاهرة عمالة الأطفال، بخاصة بعد نزوح آلاف الأسر إلى مناطق متعددة في العراق ".
ولفت باجلان إلى أن "أطفالًا كثيرين يضطرون إلى العمل في مهن لا تتناسب وقدراتهم البدنية، والأخطر أولئك الذين يعملون في مجال البناء"، مبينًا أن "أطفالًا كثيرين يتعرضون لحوادث خطيرة وانتهاكات صارخة لطفولتهم، كالإهانة والضرب ومطاردة الأجهزة الأمنية لهم".
ويرى باجلان أن "أسباب تنامي ظاهرة عمالة الأطفال في العراق ترتبط بغياب تطبيق القوانين الخاصة بحقوق الطفل، أحدثها قانون مناهضة العنف الأسري 2012.
وينص في بعض فقراته على عدم السماح للأطفال بالعمل"، معربًا عن "استغرابه من عدم تطبيق القانون حتى هذه اللحظة، ومحاسبة المسؤولين".
وذكرت مديرة مكتب هيئة رعاية الطفولة عبير الجلبي، "ليس هناك حلول جذرية لعمالة الأطفال، كل ما نستطيع توفيره هو مبلغ 150 ألف دينار للطفل العامل، على أن يتعهد بعدم العودة إلى العمل، وفق قانون الضمان الاجتماعي ورعاية الأسرة المعمول به".
وأعلنت الجلبي أن "مديرية الشؤون الاجتماعية تعمل على محاسبة أرباب العمل المخالفين للقوانين، والذين يشغّلون الأطفال دون الـ 16 عامًا، من خلال الاستعانة بفرق التفتيش الجوالة في قطاعات العمل المختلفة".
وصرحت مديرة مكتب هيئة رعاية الطفولة، أن هيئة رعاية "الطفولة" مستمرة باتخاذ كل القرارات والإجراءات الكفيلة بـ"تحسين" تلك الظروف من خلال التباحث مع المسؤولين ونقل معاناة ومشكلات الأطفال العراقيين وبخاصة النازحين منهم.
وكشف المستشار الإعلامي في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عمار منعم "علينا التعامل بواقعية مع هذه الظاهرة. جميعنا يعلم أن رواتب المعونات لا تكفي لسد مصاريف شخص واحد، فكيف بأسرة".
ونوه إلى أن انتشار الفرق الجوالة للبحث عن الأطفال العاملين قد يخيفهم، ويمكن أن يؤدي إلى انخراطهم في أعمال غير مشروعة، بخاصة أنه يتم سجن بعضهم مع المجرمين".
ويرى منعم، أن "الحل يكمن في إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة، وتوفير إعانة مادية للأسر الفقيرة تتناسب مع أوضاعهم الاقتصادية، بالإضافة إلى ضرورة أن تضع الحكومة المركزية خطة استراتيجية لمعالجة المشاكل الاقتصادية للنازحين، وصرف رواتب تعينهم على الحياة الصعبة ".
وشدد على سعي الوزارة نحو الارتقاء بواقع الطفولة في العراق وحماية حقوق الأطفال وبالأخص الذين تعرضوا للاستهداف والأذى والتهجير على أيدي مجاميع داعش.
يذكر أن اليونيسيف استحدثت أخيرًا شعبة جديدة ضمن هيكليتها في العراق تختص ببرامج السياسات الاجتماعية في العراق مع التركيز على برامج الحماية الاجتماعية الخاصة بالطفل وتقديم الدعم الفني لحكومة جمهورية العراق .