بغداد – نجلاء الطائي
ترتفع نبرات الحنين إلى أيام حكم صدام حسين بعد عشرة أعوام من إعدامه، من قبل أطراف عربية وعراقية، جرّاء الخلل الاستراتيجي والسياسي في البلد، الذي حدث نتيجة غياب قوة كانت في يوم ما نقطة توازن في حسابات الأمن الإقليمي. وبدأ الناس يتحدثون من دون خوف كسابق، وهي حالة شاذة لم يعرفها الشارع العراقي. فبعض العراقيين أصبحوا، يلمحون إلى رغبتهم في العودة إلى عصر صدام، وهذا حتى في إقليم كردستان الذي تعرّض إلى هجمات كيماوية أسفرت عن مقتل 5 آلاف شخص عام 1988. فهم يرون أن أيام صدام كانت أفضل، مقارنة بحال العراق اليوم.
وقال أحمد علي، وهو باحث بارز في الجامعة الأميركية في مدينة السليمانية شمال البلاد هذه المشاعر تقرع أجراس التحذير للزعماء العراقيين، ومن المؤسف أن نقول أن سوء الواقع العراقي، جعل عهد صدام حسين موضع حنين، ومن يقارن بين العهدين، عهد صدام والذي تلاه، سيجد أن القتل هو القتل، وأن الإجرام هو الإجرام، لكن الفارق أن عهد صدام امتاز عن عصر الزعامات و العشائر و والعصابات والأصوليات بالأمن.
ويشير علي كان عهد صدام آمناً، لا لأنه كان عادلاً، بل لأنه كان ديكتاتوراً، والديكتاتوريات تجمّد الحياة، فإذا ذاب الجليد، بزوالها، ظهرت الدواب والهوام والحشرات، وتابع علي الحديث أن المشكلة ليست في البنية الحادة للفرد العراقي والتي رسخها الحجاج بن يوسف في خطبته، بل في الأنظمة التي جاءت بتغيير قسري وجذري. لقد سلّمت أميركا بغزوها للعراق كل البلد لإيران، ولا نتعجب من أحد البرلمانيين العراقيين حين سئل: "لو غزت إيران العراق فمع من تكون؟! أجاب :طبعاً مع إيران". هذا الموقف كفيل بشرح شيء مما يجري في العراق.
عمار المعماري أستاذ في جامعة بغداد أكد لـ"العرب اليوم" ليس العراقيون وحدهم من تندّم على إزالة صدام حسين بل زعماء الدويلات المجاورة، لطموا وصرخوا يا ريتهم ما صدقوا أميركا، لأن عروشهم تهتز. أما عبد المنعم الأسدي يقول "لا زالوا يريدون أن يوحوا للعالم انه في وقت صدام كانت هناك إعدامات بسبب أنهم شيعة أو اكراد, لا وألف لا, إذا كانت هنالك إعدامات فهي حسب القانون العراقي, الخائن يعدم والسرقات المسلحة أيضاً والهروب من الجيش في أثناء المعارك وغيرها وكلها حسب مواد قانونية, ولا فرق بين مسلم أو مسيحي أو سني أو شيعي أو أيزيدي, عربي أو كردي أو تركماني. أما اليوم فالاعدام متوفر حسب العصابات التي تسن القانون وفي المكان والزمان الذي ترغب به.
وقال أحد باعة الحلوى في سوق الشورجة الصاخب في بغداد، حيث ينادي الباعة على أسعار الجوارب والمكسرات وأغطية الرأس "بصراحة، كانت أيام صدام أفضل. ماذا لدينا الآن؟ لدينا أزمة اقتصادية. لدينا "داعش" بدلا من زعيم فاسد واحد، صار لدينا العشرات".
وفي متجره في بغداد يعرض أنور صورة لصدام حسين أو حزاما أو طابعا بريديا يحمل صورته، معبرا بذلك عن حنينه للرجل "الذي كان يعرف كيف يمسك البلد"، على حد تعبيره حسب تصريحه إلى "أ ب ف" .
ورغم أن البعض يرى في تجارة أنور أمرا "مريبا"، فإن حنين انور إلى الأمن أمرًا يشاطره فيه العراقيون بعد عشر سنوات من إعدام صدام حسين. وفي متجره لبيع القطع القديمة، يداعب أنور جلد الحزام الذي يحتوي على حافظة وكتب عليه "مكرمة من السيد الرئيس القائد صدام حسين". وأوضح التاجر "كانت تلك هدية يقدمها صدام للضباط الذين يستحقونها".
ويعرض أنور في متجره طوابع بريدية تحمل صورة صدام وألبومات صور تمجده. لكن أنور يُقرّ بأن الزبائن الذين يحنون إلى "الريس" يتضاءلون. ويبدو أنه هو نفسه افضل هؤلاء الزبائن. ويقرّ الشاب "ابحث دائما عن مقالات تتعلق بصدام، لكن حين أجدها كثيرا ما احتفظ بها لنفسي". وهو يبيع في متجره خصوصا أشياء لا علاقة لها بالسياسة مثل الحلى البسيطة والقلادات.
ويضيف أنور بملامح جادة "أن صدام أثبت أنه يعرف كيف يمسك البلد (...) أقول هذا وأنا ابن الجنوب" في تلميح إلى انه شيعي مثل غالبية العراقيين. وهذا أمر مفاجئ لأن صدام حسين السني لم يكن رحيما بالعرب الشيعة والكرد السنة. وحُكم على صدام بالإعدام في مقتل 148 شيعيا في 1982 في الدجيل شمال بغداد. ونُفذ الإعدام في 30 كانون الأول/ديسمبر 2006 بعد نحو أربع سنوات من الإطاحة به وتشكيل حكومة يهيمن عليها الشيعة.
في المقابل اعتبر خلف عبد الصمد النائب عن حزب الدعوة احد اكبر الاحزاب الشيعية في العراق، أن الذكرى العاشرة لاعدام صدام تجسد "يوم نهاية راس الافعى الذي جعل العراقيين مواطنين مهانين". وتحت نير صدام كان القمع وحشيا وكانت الحرب ضد إيران (1980-1988) وحرب الخليج (1990-1991) مدمرتين وكذلك العقوبات الدولية. لكن غزو العراق في 2003 من تحالف قادته واشنطن والحرب الطائفية بين 2006 و2008 وهجوم الجهاديين اليوم، دفعت البلاد إلى حالة من التمزق الدائم يجعل بعض العراقيين ياسفون لزوال الاستقرار الذي كانوا ينعمون به في عهد صدام حسين رغم غياب الديمقراطية.
وفي متجر أنور بدا أبو أسامة وهو يتفحص ويقيس طوابع البريد التي تحمل صور صدام، وهو سني وضابط سابق في جيش صدام. وللمفارقة قال إنه ليس من المعجبين بصدام "لكني احب العدل وهذا ما ينقصنا كثيرا". ولم يشتر أبو اسامة شيئا اليوم، اذ لديه ذكرياته عن عهد صدام في المنزل. وبعد أن كانت صور صدام حاضرة بكثافة في الشوارع والمباني الرسمية في عهده، تم وضع صور مراجع شيعية وصور جنود وشرطيين قضوا "شهداء" في معارك مع الجهاديين، بدلا منها.
وهي طريقة اخرى للاستفادة من الأماكن العامة علّق عليها إيلاف طالب الحقوق في جامعة بغداد الذي قدم لشراء احجار كريمة من متجر انور. وكان عُمر ايلاف ثماني سنوات حين تمت الإطاحة بصدام حسين. ومن الصعب عليه أن يُبدي رأيا وهو الذي لم يعش الاوضاع التي كانت في عهد نظامه. لكنه قال "صدام حسين كان أفعى ضخمة. أما اليوم فهناك عدد كبير من الافاعي الصغيرة تحكمنا"، ملخصا بذلك موقف العراقيين من حكامهم. وفي 2015 كان العراق يحتل المرتبة 161 (من 168) في الترتيب العالمي للفساد الذي تعده منظمة الشفافية الدولية.
ويلـمّح كثيرون إلى الرغبة في العودة إلى عهد صدام حسين، وحتى في إقليم كردستان شبه المستقل الذي اشتهر بعدائه للرئيس الأسبق، قال بعض السكان إنهم أحيانا يسمعون بعض أصدقائهم يعبرون عن الحنين إلى زمن ما قبل 2003. ووصل الأمر إلى أن سياسيين بارزين أصبحوا لا يخفون حنينهم إلى الماضي منهم إياد علاوي النائب السابق للرئيس العراقي. وقال علاوي قبل نحو شهرين "إننا كسياسيين عراقيين مسؤولون عمّا حدث في العراق بعد الاحتلال الأميركي وسقوط نظام صدام حسين. شعب العراق أصبح يترحم على نظام صدام بسبب أداء الحكومات التي أحرقت العراق بنار الطائفية والمحاصصة". ويواجه رئيس الوزراء حيدر العبادي صعوبة في أعمال إصلاحات موعودة تهدف إلى القضاء على آفة الفساد التي يتأذى منها مواطنو العراق.
أرسل تعليقك