الفنانة اللبنانية السيدة فيروز

مع كل هدنة أو وقف لإطلاق النار في لبنان، يعود مشهد أهالي الجنوب إلى قراهم رغم الدمار، ويتكرر معه حضور هذه المنطقة في الوجدان الفني. لم يكن الجنوب مجرد مساحة جغرافية في الأغنية اللبنانية، بل تحوّل عبر العقود إلى رمز للصمود والحنين والصراع، وأرّخت له أصوات كبار الفنانين الذين نقلوا تحولات الحياة فيه من أواخر ستينيات القرن الماضي حتى اليوم.
في عام 1967، قدّم وديع الصافي واحدة من أوائل الأغاني التي تناولت الجنوب بشكل مباشر، فغنّى للبيت الصامد والأرض التي لا تُترك، في وقت كانت فيه المنطقة تعيش تداعيات الحرب العربية الإسرائيلية. عكست تلك الأغنية علاقة عاطفية عميقة بين الإنسان وأرضه، وقدّمت صورة الجنوب كملاذ وهوية لا يمكن التفريط بها.
ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، تغيّر وجه الأغنية، وبرزت “الأغنية الملتزمة” التي حملت مواقف سياسية واجتماعية واضحة. في تلك المرحلة، قدّم أحمد قعبور أعمالاً استحضرت الجنوب كرمز للنضال، بينما غنّى مارسيل خليفة نصوصاً شعرية عبّرت عن الإحساس بالغربة داخل الوطن، وربطت بين الجنوب وقضايا أوسع، أبرزها القضية الفلسطينية.
في مطلع الثمانينيات، ومع تصاعد المواجهات العسكرية، خاصة خلال اجتياح عام 1982، برزت الأغنية الوطنية بشكل واسع. قدّم نصري شمس الدين عملاً غنائياً أصبح من أبرز ما ارتبط بتلك المرحلة، حيث تغنّى بالجنوب بوصفه غالياً وعزيزاً رغم الألم. وفي الفترة نفسها، رسّخت فيروز حضور الجنوب في أغانيها، مستحضرة عناصره الطبيعية وتاريخه، ومؤكدة استمرار الارتباط به رغم الحروب، في صورة تجمع بين الجمال والحزن والوفاء.
كما سبق لفيروز أن تناولت الجنوب في أعمال مسرحية وغنائية سابقة، وإن اختلفت التفسيرات حول ارتباط بعضها بالجنوب اللبناني تحديداً أو بسياقات فنية أخرى. وفي مرحلة لاحقة، قدّمت أعمالاً حملت طابعاً نقدياً مباشراً، عكست تحولات الخطاب الفني وتبدّل النظرة إلى الأحداث.
في منتصف الثمانينيات، برز صوت جوليا بطرس بأغنية حملت طابعاً حماسياً واضحاً، واكتسبت حضوراً شعبياً واسعاً، خاصة في أوقات الأزمات. ومع مرور السنوات، استمرت في تقديم أعمال مستوحاة من الواقع السياسي، خصوصاً بعد حرب عام 2006، حيث عبّرت أغانيها عن مواقف مباشرة وانحيازات واضحة ضمن الانقسام الداخلي اللبناني.
خلال هذه المسيرة، لم تكن الأغنية اللبنانية عن الجنوب مجرد تعبير فني، بل وثيقة غير مباشرة لتاريخ المنطقة وتحولاتها. تنقلت بين الحنين والالتزام السياسي والتعبئة، وعكست في مراحلها المختلفة صورة الجنوب كما يراها الفنانون والجمهور، من رمز جامع في الذاكرة الوطنية إلى موضوع تتباين حوله القراءات والمواقف.

قد يهمك أيضــــــــــــــا

فيروز أيقونة المسرح الغنائي العربي التي صنعت ذاكرة لا تُنسى

الفنانة اللبنانية فيروز تعبر عن حزنها الشديد في ذكر إنفجار مرفأ بيروت