أنقرة - جلال فواز
حظي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باستقبال رسمي حافل ومراسم استثنائية تعكس وثوق علاقاته بنظيره التركي رجب طيب أردوغان، فور وصوله إلى قاعدة "إتيمسجوت" الجوية في العاصمة أنقرة؛ حيث اصطف حرس الشرف على السجادة الحمراء وكان أردوغان في مقدمة مستقبليه على المدرج. وذكر البيت الأبيض أن الوفد الأمريكي المرافق ضم وزيري الخارجية ماركو روبيو والدفاع بيت هيغسيث، إلى جانب السفير الأمريكي لدى تركيا، والمبعوث الرئاسي الخاص لسوريا والعراق توم براك، والسفير لدى الناتو مات ويتيكر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين.
وفي مستهل لقاءاته على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، فجر الرئيس الأمريكي قنبلة سياسية بتهديده بسحب جميع الجنود الأمريكيين من القارة الأوروبية وطالبهم "بأن يكونوا حذرين"، وذلك على خلفية تجدد النزاع حول التبعية السياسية لجزيرة "جرينلاند" الدنماركية. وأكد ترمب للصحافيين أن السيطرة على الجزيرة يجب أن تؤول للولايات المتحدة لا للدنمارك التي اعتبرها لا تنفق أموالاً كافية لمساعدتها، مشيراً إلى أن هذه القضية هي ما أضر بعلاقته مع الناتو، ومحذراً من أن الجزيرة باتت محاطة حالياً بسفن روسية وصينية وتحتل موقعاً استراتيجياً حيوياً لأمريكا. ورغم رفضه الإفصاح المباشر عما إذا كان سيعلن خفضاً إضافياً فورياً في عدد القوات، إلا أن هذا التهديد يأتي بعد قيام وزارة الدفاع الأمريكية بالفعل بإلغاء عمليتي انتشار عسكريتين وسحب أفراد من القارة الأوروبية.
وفي ملف العلاقات الدفاعية مع أنقرة، أعلن ترمب صراحة أن إدارته "سترفع العقوبات" المفروضة على تركيا بموجب قانون مكافحة خصوم أمريكا (كاتسا)، والتي فُرضت عام 2020 عقب اقتناء أنقرة لمنظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400". وأوضح ترمب أن الإدارة ستتخذ قراراً وشيكاً بشأن تصدير وتوريد مقاتلات الشبح المتطورة "إف-35" لتركيا، معتبراً أن واشنطن لديها "التزام بصيانة محركات الطائرات" التي اشترتها تركيا سابقاً، في خطوة تمهد للتراجع عن قرار استبعادها الصادر قبل سنوات. من جانبه، أعرب الرئيس التركي أردوغان عن أمله في التوصل لنتيجة إيجابية تضمن تزويد بلاده بالمقاتلات، لافتاً إلى أن ترمب كان قد وعده بخمس طائرات وأنه "دائماً ما يفي بوعوده". وعلى صعيد السياسة الدولية، كشف ترمب عن إجرائه محادثة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، معرباً عن قناعته التامة بأن الحرب في أوكرانيا ستنتهي قريباً؛ لأن كلا الطرفين (روسيا وأوكرانيا) لديهما الرغبة الفعلية في التوصل لاتفاق وحل عاجل.
وتتزامن هذه التصريحات العاصفة مع اجتماعات قادة الناتو الـ32 تحت شعار "أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى"، ووسط سعي أوروبي حثيث لتهدئة ترمب الغاضب إزاء رفض دول القارة الانخراط في الحرب السابقة مع إيران وتأخر إنفاقهم الدفاعي. وكان الحلفاء قد تعهدوا العام الماضي برفع ميزانياتهم الأمنية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 بدلاً من نسبة الـ2% السابقة (مع استثناء إسبانيا بشروط)، لمواجهة خطري روسيا والإرهاب العالمي، وهو ما يشكل معضلة لبعض الدول العاجزة عن تلبية الأهداف. وفي محاولة لإرضاء واشنطن، أعلن الأمين العام للناتو مارك روته عن نجاح مؤسسات مالية في حشد 217 مليار دولار لدعم أمن ودفاع الحلف كبداية، تزامناً مع إطلاق مبادرات وعقود تسلح ضخمة بعشرات المليارات عُرضت قيمتها عبر شاشات منتدى الصناعات الدفاعية بأنقرة. ودعا روته إلى "ثورة" في التصنيع المحلي لتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين ومواجهة الإنفاق العسكري الضخم لروسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران.
وفي غضون ذلك، دعمت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن هذه المبادرات، مؤكدة وفاء بلادها بالتزاماتها المالية وضرورة تسليح أوروبا لحماية مجتمعاتها ومواصلة دعم أوكرانيا في مواجهة بوتين. وتواجه القارة الأوروبية حالياً صعوبات بالغة وسياقاً مهزوزاً عبر الأطلسي في سد الفراغ العسكري والأمني الكبير الذي خلفه انسحاب الولايات المتحدة من تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا، لا سيما مع تكثيف موسكو لضرباتها الجوية وتوجيه ترمب توبيخاً شخصياً لعدد من القادة الأوروبيين؛ أبرزهم رئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
وعلى الصعيد الميداني البحري، تزامنت هذه التطورات مع تجدد التوترات الأمنية قبالة سواحل سلطنة عُمان؛ حيث أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض ناقلة نفط لإصابة بمقذوف غير محدد في جانبها الأيسر أدى لاندلاع حريق على متنها دون وقوع إصابات بشرية أثناء إبحارها جنوباً على مسافة ثمانية أميال بحرية شرق مدينة ليما العُمانية.
ونقلت تقارير عن مسؤولين أمريكيين تأكيدهم إطلاق إيران لصاروخين على الأقل تجاه سفن تجارية، مما تسبب بأضرار بالغة لسفينة ثانية. ويعبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يومياً (ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي للنفط السائل). وكانت حركة الملاحة قد تضررت بشدة منذ الأول من مارس الماضي حين أغلقت طهران الممر الحيوي رداً على الضربات الأمريكية الإسرائيلية، قبل أن تعود جزئياً بموجب اتفاق إطار في 17 يونيو. ورغم الاتفاق المؤقت على وقف الأعمال العدائية عقب جولات قصف متبادلة شملت اتهامات لواشنطن واستهدافات طالت الكويت والبحرين أواخر يونيو، تواصل طهران تشديد إجراءاتها وتهديد السفن التي تحاول الالتفاف حول المسار الملاحي الوحيد المسموح به على طول سواحلها.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
عشية انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا أوكرانيا تناشد الحلف باتخاذ قرارات حاسمة لتعزيز دفاعاتها الجوية
مطلب "الولاء" لترمب يضع تماسك حلف الناتو على المحك ويفجر أزمة ثقة قبيل قمة أنقرة الاستراتيجية
أرسل تعليقك