كشفت دراسة حديثة عن تحديد نافذة زمنية حاسمة يمكن من خلالها استهداف سرطان الدماغ العدواني بالعلاج الكيميائي فور الانتهاء من الجراحة، ما قد يحدث ثورة جذرية في طرق علاج "الورم الأرومي الدبقي" (Glioblastoma)، ويعيد تشكيل رعاية المرضى بشكل غير مسبوق، حسب موقع صحيفة "إندبندنت".
وأشارت الأبحاث المنشورة في مجلة "Science Translational Medicine" إلى أنه بدلًا من الممارسة المعيارية الحالية التي تعتمد تأخير العلاج الكيميائي والإشعاعي لمدة تتراوح بين 4 و6 أسابيع بعد الجراحة، فإن إعطاء العلاج الكيميائي في الدقائق والأيام الأولى المباشرة عقب استئصال الورم يعد أكثر فعالية.
ويعود السبب في ذلك إلى أن "الحاجز الدموي الدماغي" -الطبقة الخلوية الواقية التي تحد من وصول الأدوية والعقاقير إلى الدماغ- يصاب بخلل مؤقت خلال فترتين زمنيتين متمايزتين عقب العملية مباشرة، ما يفتح ثغرة استراتيجية لنفاذ الأدوية.
وجاء الإعلان عن هذه النتائج العلمية بالتزامن مع مناشدة وجّهها السباح الإسكتلندي آرتشي غودبيرن، البالغ من العمر 25 عامًا -تم تشخيصه بسرطان الدماغ في سن 22- لرئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام بضرورة تعيين مسؤول وطني معني بسرطان الدماغ في البلاد.
ووصف "غودبيرن" عبر برنامج (BBC Breakfast) وهو يذرف الدموع عدم وصول التجارب السريرية العالمية إلى المملكة المتحدة بأنه أمر "غير عادل وغير منصف"، قائلاً: "أرجوكم استثمروا وأحدثوا فرقًا.. أتوسل لكم ليس من أجل حياتي فقط، لكن من أجل كل من تأثر بهذا المرض والعائلات في مختلف أنحاء البلاد، المعاناة لا تحتمل ويجب أن يتغير هذا الوضع"، وهي المناشدة التي استجاب لها رئيس الوزراء بدعوته للقاء رسمي.
النوافذ الزمنية
وأوضح مؤلفو الدراسة من جامعة مانشستر أن تأثيرات جراحة استئصال الورم على الحاجز الدموي الدماغي وتداخلاتها مع العلاج الكيميائي لم تدرس بشكل منهجي من قبل، فقد أجرى الباحثون تجارب على الفئران لمحاكاة العملية السريرية باستئصال الورم واستخدام تركيبة دوائية لا تنفذ للدماغ إلا عند وجود خلل بالطبقة الواقية.
وأظهرت النتائج أن الجراحة تحدث خللًا يفتح نافذتين زمنيتين محددتين لإيصال العلاج، الأولى بعد 15 دقيقة فقط من انتهاء الجراحة، والثانية ما بين 48 و72 ساعة بعد العملية. وأكد الفريق البحثي أن استغلال هاتين الفترتين مكنهم من كبح تكرار ظهور الورم وعودته بشكل فعال.
تصريحات الباحثين
وقال الدكتور توماس كيسبي، المشارك في قيادة الدراسة بجامعة مانشستر: "أظهرنا لأول مرة أن جراحة الورم الأرومي الدبقي تكشف مؤقتًا عن نقطة ضعف يمكننا استغلالها.. إذا تم توقيت العلاج ضمن النوافذ المحمية، فبإمكانه وقف تطور المرض بشكل كبير قبل أن ينمو الورم من جديد، والساعات والأيام التي تلي الجراحة مباشرة تحمل المفتاح لوقف عودته، كما يفتح هذا احتمال إعادة توظيف أدوية أخرى معتمدة بطرق أكثر ذكاء واستراتيجية".
من جانبه، أضاف البروفيسور كوستاس كوستاريلوس، المشارك في قيادة الدراسة من جامعة مانشستر والمعهد الكاتالوني لعلوم وتقنية النانو في برشلونة: "يحمل هذا البحث إمكانية فتح جبهة جديدة في رعاية المرضى بعد الجراحة، إذ غالبًا ما تعاود أورام الدماغ النمو من الأنسجة المحيطة بقعر المنطقة المستأصلة".
وقال: "نقترح استخدام أحدث العلاجات الموجهة، بما فيها الأدوية القائمة على الجسيمات النانوية، والعلاج المناعي، والعلاج الجيني، لعلاج هذه المنطقة عالية الخطورة وتحسين فرص النجاة على المدى الطويل".
من جهته، اعتبر الدكتور غيربن بورست، اختصاصي الأورام الاستشاري الفخري في مؤسسة (The Christie) التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية، أن التحدي الأكبر يكمن في القضاء على الخلايا السرطانية المجهرية المتبقية بعد الجراحة، مشيرًا إلى أن الفهم الأفضل لاستجابة الجسم للجراحة يساعد في إيصال الأدوية بدقة دون الحاجة للاعتماد الصارم على تطوير عقاقير جديدة وباهظة التكلفة، مشددًا على أهمية إجراء التجارب السريرية للتحقق من استفادة المرضى تطبيقيًا.
كما وصف البروفيسور روبرت بريستو، مدير مركز مانشستر لأبحاث السرطان، النتائج بأنها "مثيرة للحماس بشكل استثنائي وتعد باختراق محتمل لوقف عودة نمو الخلايا"، في حين أكد الدكتور سايمون نيومان، كبير المسؤولين العلميين في مؤسسة (The Brain Tumour Charity)، أن الاكتشاف يحمل إمكانات واعدة لترجمته سريريًا، مشيرًا إلى تمويل مؤسسته لدراسات تطبيقية بينها دراسة (EPIC-GB) التقييمية لعبور الأدوية للحاجز الدموي الدماغي.
ما الورم الأرومي الدبقي؟
يعد الورم الأرومي الدبقي أكثر أورام الدماغ فتكًا وأسرعها نموًا، إذ يشخص به سنويًا نحو 3200 شخص في المملكة المتحدة، لا ينجو منهم لخمس سنوات أو أكثر غير 160 شخصًا فقط.
وينمو هذا الورم بسرعة فائقة متغلغلًا في مناطق مختلفة من الدماغ، وتتنوع أعراضه بين الصداع الناجم عن تراكم الضغط داخل الجمجمة، وتغيرات في الشخصية، ومشكلات في الذاكرة، إضافة إلى صعوبات الكلام والفهم، والإرهاق الشديد، والاكتئاب.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
طبيب روسي يكشف عن علامة غير متوقع للإصابة بـ"سرطان الدماغ"
فوائد زيت الزيتون في منع الإصابة بسرطان الدماغ
أرسل تعليقك