دبي - عُمان اليوم
لم تكن الرواية العربية يوماً مجرد صفحات تُقرأ أو حكايات تُروى بين دفتي كتاب، بل كانت مرآةً تعكس واقع المجتمعات العربية، وتكشف تحولات الإنسان وأحلامه وصراعاته، وتوثق تفاصيل الحياة اليومية بما تحمله من أفراح وأحزان وآمال وانكسارات. ومع تطور السينما والتلفزيون، وجدت هذه الروايات طريقها من عالم الكلمات إلى عالم الصورة والصوت، فتحولت شخصياتها إلى وجوه مألوفة، وأحداثها إلى مشاهد راسخة في الوجدان، وحواراتها إلى عبارات تتناقلها الأجيال، وتستعيدها الذاكرة كلما عادت إلى زمنها الجميل.
وهكذا، لم تعد بعض الروايات العربية مجرد أعمال أدبية ناجحة، بل أصبحت جزءاً من الذاكرة الثقافية والفنية للجمهور العربي، ارتبطت بطفولته وشبابه، وبالبيوت التي اجتمعت فيها العائلات أمام شاشة التلفزيون، وبالأمسيات التي كانت تنتظر فيها الجماهير حلقات مسلسلاتها المفضلة أو موعداً جديداً مع فيلم يحمل حكاية مألوفة برؤية مختلفة. وتزامناً مع اليوم العالمي للرواية العربية، نستعرض أبرز الروايات العربية التي تحولت إلى مسلسلات وأفلام وبقيت راسخة في ذاكرة الجمهور العربي.
في الدراما التلفزيونية، يُعد مسلسل "غراميات شارع الأعشى" نموذجاً بارزاً، وهو مأخوذ عن رواية الكاتبة السعودية بدرية البشر الصادرة عام 2013 والتي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة بوكر العربية عام 2014. ولا تُعد الرواية توثيقاً تاريخياً عاماً لكل المجتمع السعودي، بل هي مستوحاة من حياة الكاتبة الشخصية وأسرتها وذكرياتها في حي "منفوحة" العريق بالرياض في منتصف السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حيث قامت الكاتبة والمسلسل بإسقاطات وخيال روائي وتلفزيوني مع إضافة بعض المبالغات الفنية في التحويل الدرامي لتعزيز الصراع والتشويق، وتركز القصة على حكايات ومصير ثلاث نساء يبحثن عن الحرية والمعنى وسط قيود المجتمع والتقاليد.
ويبرز أيضاً مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" المأخوذ عن رواية الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس الصادرة عام 1982. والرواية في أصلها الأدبي ليست قصة شخص حقيقي، بل هي عمل أدبي استوحى صُنّاع العمل، وخصوصاً الفنان الراحل نور الشريف، بعض ملامح شخصية "عبد الغفور البرعي" من الحاج "نادي السباع" شيخ الحدادين وكبير تجار الحديد والخردة بمنطقة "تل الحدادين" بمدينة طنطا، حيث أقام نور الشريف في المنطقة متنكراً بزي صبي ورشة ليتعلم طريقة كلامه وحركاته ويتقن تجسيد الشخصية. وقد كتب إحسان عبد القدوس الرواية في 152 صفحة وكانت شخصية عبد الغفور البرعي فيها ثانوية، بينما قام السيناريست مصطفى محرم بتعديلات وحبكة درامية واسعة ليجعل شخصية عبد الغفور البرعي وزوجته "فاطمة كشري" التي جسدتها عبلة كامل محور الأحداث وقصة الصعود والتعامل مع الابن "عبد الوهاب" الذي جسده محمد رياض.
وتمتد الدراما الخالدة لتشمل مسلسل "حديث الصباح والمساء" المأخوذ عن رواية الكاتب الكبير نجيب محفوظ الصادرة عام 1987، وهي عمل أدبي خيالي وملحمة اجتماعية وتاريخية تدور حول فكرة الموت والحياة، وتغطي أحداثها قرنين من الزمان في مصر بدءاً من الحملة الفرنسية وتولي محمد علي باشا الحكم مروراً بثورة عرابي وثورة 1919 وصولاً إلى ثمانينيات القرن العشرين. وتعتمد الرواية على شجرة عائلة كبيرة تُسرد فصولها بترتيب أبجدي بأسماء الشخصيات لكل من آل المصري وآل القليوبي وآل المراكيبي. وقد تحولت الرواية إلى مسلسل درامي شهير عرض في رمضان عام 2001 كتب السيناريو والحوار له محسن زايد وأخرجه أحمد صقر وبطولة نخبة من النجوم مثل عبلة كامل وليلى علوي ودلال عبدالعزيز، حيث أجرى السيناريست تعديلات في السرد وربط الأحداث خطياً بشكل أكبر من تفتيت الرواية الأصلي واختلف في نهايات بعض الشخصيات مثل شخصية "جليلة".
وعلى صعيد الشاشة الكبيرة، يبرز فيلم "الأيدي الناعمة" إنتاج عام 1963 وإخراج محمود ذو الفقار وتأليف توفيق الحكيم، وتدور قصته حول أمير إقطاعي سابق يفقد ثروته وألقابه بعد ثورة 23 يوليو 1952 ويتعلم في النهاية قيمة العمل والاعتماد على النفس، وهو رواية ومسرحية رمزية واقعية تستلهم تحولات المجتمع المصري بعد إلغاء الألقاب الإقطاعية وظهور طبقات جديدة وصعوبة توافق حملة الشهادات النظرية مثل الدكتوراه في النحو مع متطلبات سوق العمل والإنتاج.
كما يُعد فيلم "دعاء الكروان" إنتاج عام 1959 أحد أعظم كلاسيكيات السينما المصرية المقتبسة عن رواية شهيرة تحمل نفس الاسم للأديب الكبير طه حسين، والتي تستلهم أجواءها من الواقع المأساوي للمرأة والريف المصري في ذلك الوقت، حيث تبدأ القصة بعائلة ريفية فقيرة تُطرد وتهرب إلى بلدة أخرى بحثاً عن لقمة العيش. وقد استوحى الدكتور طه حسين أجواء الرواية من حكايات ومعاناة حقيقية للأسر الريفية الفقيرة في صعيد مصر مثل منطقة المنيا ومغاغة مسلطاً الضوء على الجهل والظلم الاجتماعي ونظرة المجتمع القاسية للمرأة.
ويكتمل المشهد السينمائي الخالد بفيلم "رد قلبي" إنتاج عام 1957 المأخوذ عن رواية للأديب يوسف السباعي والتي تستند في جانب كبير منها إلى قصة حقيقية جرت أحداثها في حي المعادي بالقاهرة. والبطلة الحقيقية للفيلم هي الأميرة إنجي إبراهيم عمر إحدى حفيدات أسرة محمد علي التي جسدت شخصيتها مريم فخر الدين، حيث عاشت قصة حب بريئة مع ابن الجنايني الذي جسده شكري سرحان قبل أن يثور والد الأميرة ويطرد والد الشاب، ومع قيام ثورة 23 يوليو 1952 وقرارات التأميم عادت الأميرة للعيش في نفس الركن الصغير الملحق بالفيلا حتى توفيت، ليجسد الفيلم الصراع بين الطبقات وكيف غيرت الثورة التركيبة الاجتماعية وأتاحت لأبناء البسطاء أن يتبوأوا مكانتهم بفضل العلم والعمل والكرامة.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
تكريم يحي يخلف بمناسبة فوزه بجائزة الرواية العربية
شكري المبخوت يكشف أسراره مع الرواية العربية
أرسل تعليقك