بقلم - بكر عويضه
أول من أمس، عرضت قناة «PBS America»، حلقة من سلسلة حلقات عنوانها «قصة مصر»، أعدتها البروفسورة جوان فليتشر، المتخصصة في دراسات وأبحاث تُعرف عِلمياً تحت مُسمى «المِصريات». بعدما عبّرت، في غير موضع من الحلقة، عن اندهاشها مما تضمه مسيرة الحضارة المصرية من روائع لافتة للنظر، ختمت فليتشر حلقتها تلك بعبارة قصيرة تضمنت التالي: «قصة مصر القديمة أكبر من كل كلمات يمكن لها التعبير عنها». تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه القناة تحرص على بث برامج توثيقية في مختلف المجالات، من الحروب إلى نشوء الحضارات وانهيارها، ومن الواضح أن مصر الفرعونية تحظى بتركيز خاص من جانب القناة، ولذا ذكرتني حلقة الاثنين الماضي ببرنامج آخر للقناة عرضته قبل بضعة أيام تناول علاقة القدماء المصريين مع تماسيح النيل، وكيف أن التمساح كان زمنذاك يحظى بتعامل متميز، كاد أن يرقى لدرجة التقديس.
استندت تلك الحلقة إلى دراسات عالمة الآثار المصرية سليمة إكرام، وخصوصاً رحلتها البحثية إلى «كوم أومبو»، وتضمنت مشاهد مثيرة للدهشة حقاً، ليس فقط في شأن الاهتمام الخاص بالتمساح حياً، ثم الحرص على تحنيط تماسيح ميتة، وإنما أيضاً بمدى اختلاف أحوال مناخ ذلك الزمان، في ذلك المكان تحديداً من كوكب الأرض، عنها في زماننا هذا. مُقَدِم الحلقة لم يُخفِ دهشته خلال عرض تخيلٍ لما كان يحيط بمناطق الأهرامات من مساحات خضراء، وأشجار وارفة الظلال، لا علاقة لها على الإطلاق بما يُسمى اليوم «صحراء الجيزة». حسناً، تُرى هل ثمة رابط بين ما تقدم وبين كل الذي أُثير، ولا يزال يُثار، بشأن تغيُر أحوال المناخ في العالم ككل؟ الجواب المُرَجَح هو نعم، ذلك أن موجات الحر الشديد التي طفقت تجتاح أنحاء مختلفة من الكرة الأرضية خلال السنوات العشرين الأخيرة، والتي فاق ارتفاع درجاتها في كل من أوروبا وبعض الولايات الأميركية، وعلى نحو غير مسبوق طوال الأسابيع القليلة الماضية، كل سابقاتها، تشير بشديد الوضوح إلى أن المناخ العالمي، مَر بحالات تغيِّر خلال مراحل مختلفة من التاريخ، وهو مستمر في التغيّر.
بالطبع، عما قليل سوف تمضي موجة الحر الشديد الحالية في أوروبا إلى حال سبيلها، إنما قبل رحيل الصيف، الأرجح أن تُخلِّف شدة الحرارة وراءها فيضانات تجرف مزارع وبيوتاً، قبل أن يحل الخريف وتتناثر أوراق الأشجار في الشوارع، ثم يأتي فصلُ شتاء آخر حاملاً موجات صقيع قارسٍ، فتعلو أصوات الناس تشكو قسوة الريح البارد حين يلفح الوجوه، وترتفع جبال من ثلوج أمام منازل، وتتجمّد مدارج مطارات، وتتعطل قطارات، وتهب زوابع وأعاصير، وتنطلق من مخابئها عواصف، وفي الآن نفسه تشتعل حرائق في مناطق عدة، من أقصى الأرض إلى أدناها، ثم يأتي مَنْ يزعم، بلا خوف من ضمير، ولا خجل أمام الحقائق، أن تغيّر المناخ ليس سوى «أكذوبة». كلا، التغير المناخي حصل فعلاً عبر مراحل مختلفة من التاريخ، ويتحمل بعض بني البشر النصيب الأوفر من مسؤولية حصوله نتيجة أفعالٍ وسياسات غير مسؤولة، وغير معنية بمستقبل الحياة على الكرة الأرضية.