فى المسافة بين خروجها من الحظيرة، وخروجه من بيتهم اندلع الخوف. كانت هى مرعوبة، وكان هو أشد هلعًا. ضخمة هى بألوانها الرمادية والبيضاء، وتلك التى تتراوح بين الأحمر والبنى، وكان هو يحاول أن يغلب جسده النحيل فى هذا الصباح الغائم، ويدارى لونه الأصفر من فرط الجوع والخوف من كل ما يجرى حوله.
طالما سمع من الناس أن فى هذه الحظيرة أرانب قوية ضخمة، كأنها أسود، ولو أُطلق سراحها بينما الناس فى صحوهم، فبوسعها أن تجرفهم فى طريقها. تعرف الخادمة التى تعمل فى البيت الكبير هذا، ولذا لا تترك الأرانب تخرج بالفعل إلا فى ليل متأخر، أو صباح باكر، بينما تحرص على أن تقول للناس فى كل قريتنا، وهى ترفع حاجبيها:
فى يوم خروجه مبكرًا، رأته هذه الأرانب فتوقفت قليلاً، ثم انطلقت فى طريقها، ورآها فتوقف برهة ثم جرى نحوها، ليقتل خوفه، فخافت هى، وجرت نحوه بلا هدى، بعد أن اعترض جسده المسار الذى اعتادت أن تسلكه، فخاف هو. صرخ ففزعت، وأثارت حوله غبارًا، فأثار بدوره غبارًا أشد، وهو ينبش تراب الشارع بقدميه الحافيتين.
ارتد إلى الخلف فإذا بباب بيتهم قد أُغلق دونه، ووصلت الأرانب إلى باب بيت صاحبتها التى ربتها، حتى سمنت على هذا النحو، فوجدته مغلقًا، فهاجت وماجت فى الشارع العريض، لا تعرف ما إذا كان عليها العودة إلى الحظيرة، أم الولوج إلى البيت، أو الهجوم على كل شخص يمر، وإعادته إلى بيته، وإعادة بهائمه إلى الحظيرة.
لم يدر أبدًا بخلده وهو خارج فى هذا البكور، أنه سيلقاها، وهى ستلقاه، فطوال الوقت، كان لا يرى سوى بعض من أهل قريته، يمتطون حميرًا صامتين، وتجرى خلفهم بهائمهم طائعة. اليوم فرغ الشارع من هؤلاء جميعًا، فى لحظة استثنائية، ربما لم تحدث منذ أن عرف كيف يترك بيتهم ويخرج ليدب فوق تراب الشوارع وحيدًا.
الأرانب يلجمها الخوف، يُشل أعضاءها فتتوقف مرعوبة، فيطلق الرعب فى جسدها مرضًا، يؤدى إلى موتها، لهذا كانت صاحبتها حريصة على ألا يراها أحد. تفسّر هى هذا دومًا على أنه بفعل حسد أصحاب البيوت المجاورة التى تقاوم الجوع، بلا جدوى، ويحلم كل بيت فيها بأن يجد أرنبًا واحدًا من هذه مطهوًا أمامه فى آنية.
لم تكن تعرف أن الخوف يطلق فى أوردة الأرانب وشرايينها مادة سامة، تصعد إلى القلب والمخ، فينتهى كل شيء، ولم يكن الولد يعرف أن هذه الأرانب أجبن من أن يخاف منها، رغم ضخامتها، وهياجها حين لا ترى منفذًا لها، ومنظرها المخيف حين تتدلى آذانها الطويلة على رؤوسها، وتلك السرعة الفائقة التى تمضى بها رغم ضخامة حجمها، والأصوات التى تُصدرها، وهى تملأ الشارع ضجيجًا وعجيجًا، وكأنه لا يوجد شيء فى القرية سواها.
ولأنها تخاف، وهو كذلك، وقفت هى مفجوعة، ووقف هو مشدوهًا، وامتلأت المسافة بينهما بالخوف. الولد يرى الأرانب وحوشًا كاسرة، وهى تراه كائنًا متوحشًا، تثاقلت خطواته، بعد أن كان يعدو كالريح، وتمهلت خطواتها بعد أن كانت تفر هاربة من الحظيرة إلى صالة البيت الكبير. زاد الغبار فى الشارع، وانكسرت فيه أشعة الضحى الزاهية فبهتت، وابتلعتها الجدران الكالحة.
اتسعت عيون الأرانب مرة أخرى فأخافته، وتقافز هو فوق التراب فأخافها، لكنه لم يدرك وقتها أنها خائفة، وهى تجرى يمنة ويسرة، فحسبها تستعد لمهاجمته، فكان عليه أن يختار، إما أن يجرى نحوها، أو يجرى منها.
أرانب كانت، وحسبها عقله الصغير أسودًا، أو حتى ثعالب أو كلابًا. أما الأرانب فقد كانت واعية إلى أنها أمام ولد خرج من بيته صبحًا، وأنه لو هشها، وضغط عليها، سيجدها ضعيفة خاوية، لا تعرف إلى أين تذهب، لكن كان عليها أن تطلق شررًا فى عيونها، حتى يعتقد أنها شيء آخر.
هشة كانت، لكن الولد لم يكن يعرف، فوقف إلى جانب الجدار مترددًا، ناظرًا إلى ثلاثة أبواب مغلقة، لبيتين وحظيرة، وشارع خالٍ من الناس، الذين تصادف نومهم أو كسلهم، أو حتى خروجهم مبكرًا قبل أن يفتح الولد عينيه، وليس فى رأس كل منهم سوى حقله وبهيمته.
أرنب مائل إلى الإحمرار، كان يشاع فى قريتنا أنه أقواها، تقدم قليلاً، وبان للطفل أنه يقود هجومًا ضده. جفل الطفل منه، وتقهقر قليلاً، وتمنى فى هذه اللحظة لو تشعر به أمه لتهب لنجدته، ولم يكن يعرف أن الأرنب المتقدم هو الأكثر جبنًا، لأنه ما إن خطا نحو الولد، مدفوعًا بقوة غريبة، حتى تدلّت أذناه، واتسعت حدقتاه، وارتعشت قدماه، ثم وقع على مؤخرته.
رآه الولد على حاله هذه، فظن أنه يقعد على خلفيتيه كى يقفز فى قوة مهاجمًا إياه، لكنه فوجئ بأن هذا ليس سوى أوهام تعشّش فى رأسه، لم تلبث أن تساقطت تحت قدميه، فسقط الأرنب الأحمر بلا حراك. الأرانب الأخرى وقفت متجمدة عند الجدار، كأنها تماثيل منحوتة فى مكانها منذ زمن بعيد، ولم تكن تدرى إلى أين تذهب.
حين تقدم الولد ضاحكًا إليهًا، وهو يقبض فى يمينه على أكبرها، رمت كلها آذانها الطويلة على أجسادها الضخمة من فرط الشبع، مستسلمة له، وسمع الذين كانوا قد استيقظوا صُغاب الأرانب وأدركوا وقتها أنها لم تكن فى أى يوم من الأيام أسودًا، إنما كائنات ضعيفة، يمكن ذبحها، وطهيها، وأكلها، وهضمها، وإخراجها لتذهب إلى البالوعات العفنة، وكأنها لم تكن.