استهدف الحوثي مكة المكرمة، ثم حاول غسل يديه من استهدافها فزعم أنه لم يفعل، ومن بعدها راح يرفع شعارات عن أن مكة تحظى عنده بمكانتها، وعند عناصر جماعته، وأنه لا يمكن أن يستهدفها بشيء!
وإذا كان زعم ما زعمه، أو بادر إلى نفي ما نفاه، بمجرد الإعلان عن أن وسائل الدفاع الجوي السعودي اعترضت المُسيرة التي أرسلها ودمرتها، فإنه قد زعم، ثم نفى، ثم واصل الزعم والنفي، لغرض في نفسه، أو في نفس يعقوب.
هو قد بادر إلى النفي ليس حباً من جانبه في مكة المكرمة كما قد يبدو منذ الوهلة الأولى، وإنما نفاقاً للمسلمين في أنحاء العالم. فهو يفهم أن مكة المكرمة خط أحمر لدى كل مسلم في أي أرض، وأن المدينة المنورة كذلك، وليس لدى كل سعودي فقط، ولا لدى كل عربي وحسب، وأن الاقتراب منهما اقتراب من مقدسات لا نقاش حول المس بها ولا كلام.
سارع إلى النفي لأنه يعلم تماماً أن الاستهداف الذي أعلنت عنه السلطات السعودية في حينه قد أسخط كل مسلم حول الأرض، وأغضبه، وأثار حفيظته، وجعل من الجماعة الحوثية خصماً للمسلمين في أنحاء الأرض.
إننا نعرف أن منظمة التعاون الإسلامي تضم 58 دولة في عضويتها، وهذه الدول بما فيها من مئات ملايين السكان يمكن أن تقبل بأي شيء، إلا أن يكون هذا الشيء هو المساس بالمقدسات الإسلامية في المملكة العربية السعودية، وهذا ما دفع الحوثي إلى أن ينفي، وأن يكرر النفي، لعل هذه الدول، أو لعل أهل هذه الدول، يغفرون له ما أقدم عليه.
كان هذا تحديداً هو ما يسيطر على عقله حين نفى الاستهداف وراح يكرر النفي، وكان ذلك يشير إلى ضيق عقل لديه، وضيق أفق، وفقر فكر. فالقصة بالنسبة إلى كل مسلم ليست استهداف مكة المكرمة في حد ذاتها، ولا استهداف المدينة المنورة في نطاقها، وإنما القصة هي استهداف السعودية كأرض تضم هذه المقدسات داخل حدودها وفوق أرضها.
إن المصري مثلاً إذا قرر أداء العُمرة أو الحج، فإنه لا يقول إنه ذاهب إلى مكة حيث العُمرة والحج، ولا حتى يقول إنه ذاهب إلى زيارة المدينة المنورة، حيث مسجد الرسول (عليه الصلاة والسلام)، وإنما يقول إنه ذاهب إلى: «بلد النبي».
فما المعنى؟ المعنى أنه لا يفرق بين السعودية وبين المقدسات على أرضها، وإنما يراهما شيئاً واحداً، ويوسع من إطار الرؤية عنده ليرى النبي الكريم في هذا البلد كله، لا في المدينة المنورة فقط حيث قبره الشريف، ولا حتى في مكة المكرمة وحدها، حيث عاش نبي الإسلام فترة من حياته قبل الهجرة إلى المدينة.
هذا المعنى لم يشأ الحوثي أن يراه، وهو ينفي ثم ينفي، ولو رآه لأدرك أن المسلمين في أرجاء الأرض لا يفصلون بين السعودية وبين المقدسات على أرضها، وأنهم يرون البلد والمقدسات كياناً واحداً لا انفصال بين مكوناته.
نفى الحوثي استهداف مكة المكرمة، أو المدينة المنورة، وأكد عدم استهدافهما على وجه الخصوص، كأن استهدافهما حرام، بينما استهداف الرياض، أو جازان، أو الطائف، أو نجران، أو سواها من مدُن المملكة حلال!
ولو شاء لرأى أن المسلم العادي لا يفرِّق بين شيء في جنوب المملكة وآخر في شمالها، فكلها في نظره كما هي بالضبط في نظر كل مصري: «بلد النبي».
وليس سراً أن «بلد النبي» لم يتخذ موقفاً من الحوثي في أي يوم، لمجرد أنه حوثي، وإنما لأنه استقوى ويستقوي على اليمن، واستقوى ويستقوي على شعب اليمن، واستقوى ويستقوي على القوى والمكونات السياسية في اليمن. والحقيقة أنه مكون مثل هذه المكونات التي استقوى ويستقوي عليها، وأن أمر اليمن ينهض بأن يحصل كل مكون على مساحة في الحياه السياسية تساوي حجمه النسبي في مجتمعه، لا أقل، ولا بالطبع أكثر.
والحجم النسبي لجماعة الحوثي في المجتمع اليمني لا يبرر لها دخول العاصمة، ولا يُسوّغ لها الوقوف في وجه الحكومة الشرعية للبلاد، ولا منعها من الوجود في صنعاء العاصمة. حجم الجماعة النسبي لا يبرر لها ذلك ولا يسوغه، وإذا كانت قد دخلت العاصمة واستقرت فيها، فليس معنى هذا أنها الحكومة، مهما بقيت هناك ومهما طال بها البقاء.
استهداف المملكة يمكن النظر إليه من أكثر من زاوية، كما أن له أكثر من بُعد، ولكنني أنظر إليه هنا من الزاوية التي يتطلع منها آحاد المسلمين إلى الاستهداف. فهؤلاء الآحاد لا يعنيهم في الأمر إلا أمور دينهم، ولا تكتمل أمور دينهم إلا بزيارة المملكة، حيث مكة المكرمة، وحيث المدينة المنورة، وبالإجمال، حيث بلد سيد البشر والرجال، وهذا ما لا يدركه الحوثي ولا يعيه.