بقلم - سمير عطا الله
لم أكن من أهل «الحلم الأميركي». ففي جيلي كانت أحلام الهجرة قد تغيرت خرائطها. الحالمون بالثروات انفتحت أمامهم أبواب الخليج وأفريقيا، والحالمون بالأدب انشقَّت أمامهم جدران باريس. لم يعد من الضروري أن تسافر إلى نيويورك لتصبح جبران خليل جبران أو ميخائيل نعيمة أو أمين الريحاني. وكما أنشأ مهاجرو نيويورك «الرابطة القلمية» أبدع مهاجرو باريس في حديقة اللغة الفرنسية، شعراً ونثراً وروايةً وفكراً ومسرحاً: جورج شحادة وأندريه شديد وناديا تويني، وصاحب الجوائز والشهرة والألقاب أمين معلوف.
هذه مهنة الأقدار والأسفار. وسوف أُمضي ما مجموعه بضع سنوات في أميركا الشمالية، ما بين كندا ونيويورك وواشنطن ومدن الأقرباء والأصدقاء. والهدف في نيويورك لم يكن مكتباتها المذهلة ولا مسارحها المدهشة بل عالم الأمم المتحدة، أهم مسارح السياسة في العالم، حتى ظهور دونالد ترمب، وأصبح المسرح الأهم حيث يكون.
ليست هناك أميركا واحدة، بحيث تقول إنك عرفتها أو عشت فيها. هناك ساعة واحدة بين ريفية واشنطن وأكبر جالية على الأرض في نيويورك. وهناك قارتان بين فلوريدا ونيوجيرسي، ولم يتبدل المشهد كل مساء، حيث يتجمع المشردون بلا سقوف، أمام المحال الكبرى في «فيفث أفينيو» للنوم في علب من كرتون.
في هذا المشهد الشديد في قلب مانهاتن أو مداخل ميامي بيتش عرضٌ شبهُ روائي لقسوة «الحلم الأميركي» وهشاشته. لن تصدق وأنت ترى في المساء، كيف تتجمع مدن الكرتون، أنك في بلاد إيلون ماسك وأرض الفرص.
لم تعد بلد المهاجرين. البند الأول على جدول ترمب تعديل الخلل الرهيب في ميزان الهجرة. عشرة آلاف مهاجر طُردوا منذ يومين مرة واحدة؛ الرقم الأعلى في التاريخ.
إلى اللقاء.