أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ

أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ؟

أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ؟

 عمان اليوم -

أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ

تركي الدخيل
بقلم - تركي الدخيل

هُنَا بَيْتُ شعرٍ، لِأَبِي العَلَاءِ المَعَرِّيّ، يُؤَكِّدُ مَعْنَاهُ مَا قِيلَ عَنْهُ، أَنَّهُ «فيلسُوفُ الشُّعَرَاءِ، وَشَاعِرُ الفَلَاسِفَة».

يَقُولُ أبُو العَلَاءِ:

مُهْجَتِي ضِدٌّ يُحَارِبُنِي أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ

المُهْجَةُ: خَالِصُ النَّفْسِ. ومُهْجَةُ كُلِّ شَيْءٍ: خَالِصُه. مُهْجَتِي: نفسي.

ضِدُّ: الضِّدُّ كُلُّ شَيءٍ ضَادَّ شَيْئًا لِيَغْلِبَهُ، والسَّوَادُ ضِدُّ الْبَيَاضِ، والمَوتُ ضِدُّ الْحَيَاةِ، وَاللَّيْلُ ضِدُّ النَّهَارِ إِذا جَاءَ هَذَا ذَهَبَ ذَلِكَ.

فِي صَدْرِ البَيْتِ، يُؤَكّدُ المَعَرِّيّ، مَا أَطْبَقَ عَلَيهِ الشُّعَرَاءُ، منذ القِدَمَ، مِنْ أَنَّ النَّفْسَ تَكُونُ حَيْثُ تَضَعُهَا، فَإِنْ أَرْخَيتَ لَهَا العِنَانَ، وَسَلَّمتَ لَهَا القِيَادَ، استَبَدَّتْ وطَغَتْ، وصَارَتْ وَبَالًا عَلَى صَاحِبِهَا، ودَمَارًا لِحَامِلِهَا!

فَمِنْ ذَلِكَ، قَوْلُ الشَّرِيفِ الرَّضِي:

النَّفْسُ أَدْنَى عَــدُوٍّ أَنْتَ حَاذِرُهُ وَالقَـلْبُ أَعْـظَـمُ مَـا يُبْلَى بِهِ الرَّجُلُ

وَقَوْلُ البُوصَيْرِي:

وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ

وَقْولُ دِعْبَلٍ الخُزَاعِي:

هِيَ النَّفْسُ مَا حَسَّـنْتَهُ فَمُحَـسَّـنٌ لَدَيهَا وَمَا قَـبَّحْتَهُ فَمُقَـبَّحُ

وَقَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيّ:

إِذَا مَا دَعَتْكَ النَّفْسُ يَوْمًا لِشَهْوَةٍ وَكَانَ عَلَيهَا لِلخِلَافِ طَرِيقُ

فَخَالِفْ هَوَاهَا مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّمَا هَوَاهَا عَدُوٌّ وَالخِلَافُ صَدِيقُ

وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي المَنَاقِبِ، محمد بن محمد بن القَاسِمِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خديُو:

إِذَا الْمَرْءُ أَعْطَى نَفْسَهُ كُلَّمَا اشْتَهَتْ وَلَمْ يَنْهَهَا تَاقَتْ إِلَى كُلِّ بَاطِلِ

وَسَاقَتْ إِلَيهِ الْإِثْمَ وَالْعَارَ بِالَّذِي دَعَـتْهُ إِلَيهِ مِنْ حَلَاوَةِ عَاجِلِ

وَلَعَلَّ أشْهَرَ بَيْتِ شِعْرٍ فِي النَّفْسِ، هُوَ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيبٍ الهُذَلِيّ:

وَالنَّفْسُ رَاغِـبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْـنَعُ

***

إِنَّ أَبَا العَلَاءِ يُقَرِّرُ مِنَ البِدَايَةِ، نتيجةً واضحةً فِي مَوْقِفِ نَفْسِهِ مِنْهُ، وَمَوْقِفِهِ مِنْ نَفْسِهِ، الّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بـِ«مُهْجَتِي»، وَقَالَ: إِنَّهَا تَقِفُ مِنِّي مَوقَفًا تُضَادُّنِي فِيهِ لتَغْلِبَنِي، كَمَا أَصْبَحَتْ لِيْ خَصْمًا وَعَدُوًّا، وهِيَ ضِدٌّ تُحَارِبُنِي.

وَإِذْ أَنَّ مُهْجَتِي، وَأَصْلُ نَفْسِي، تَخُوْضُ ضِدِّي حَرْبًا، فمَا طَرِيقُ نَجَاةِ نَفْسِي مِنْ نَفْسِي؟ وَكَيفَ السَّبِيلُ لِسَلَامَةِ رُوْحِي مِنْ رُوْحِي؟

إِنَّ تَحْذِيرَاتِ الشُّعَرَاءِ مِنْ مَخَاطِر النَّفْسِ، وعَدَمِ لَجْمِهَا، تحذيرٌ يُخاطِبُ المَرْءَ قبلَ وُقُوعِ الفَأْسِ فِي الرَّأس، بَيْنَمَا يُحَدِّثُنَا الشَّاعِرُ عَمَّنْ صَارَتْ نَفْسُهُ ضِدًا لَهُ، تُنَاصِبُهُ العَدَاءَ، وأجلبت عَلَيْهِ بِخَيْلِهَا وَرَجِلِهَا، فِي حَرْبِ تَشُنُّهَا عَلَيْهِ بِضَرَاوَةٍ وقَسوَةٍ.فِي عَجْزِ البَيْتِ يَتَسَاءَلُ رَهِينُ المَحْبِسَيْنِ: أَنَا مِنِّي كَيْفَ أَحْتَرِسُ؟

لَيْسَ سُؤَالًا ثَانَوِيًّا، يُطْلِقُهُ صَاحِبُهُ مِنْ مَوْقِعِ رَفَاهِيةٍ فِكْرِيَّة! بَلْ هُوَ سُؤَالٌ عَمِيقٌ يُنبِئُكَ عَنْ حَالةِ ضَعفٍ وقَلَقٍ وحَيرَةٍ حقيقية!

فَإِذَا كَانَ الخَطَرُ عَلَى نَفْسِي مِنْ نَفْسِي، فَفِي دَاخِلِ هَذِهِ النَّفْس، أينَ الجُزْءُ الظَّالِمُ، وَأيْنَ الجُزْءُ المَظْلُومُ؟ وَهَلْ تُغَيِّرُ أَجْزَاءُ نَفْسِي أَدْوَارَهَا، فَيُصْبِحُ بَعْدَ حِينٍ، الظَّالِمُ مَظْلُومًا، وَالمَظْلُومُ ظَالِمًا، إمْعَانًا فِي حَيْرَتِي؟!

لَعَلَّ السُّؤَالَ الآنِفَ، هُوَ الَّذِي مَهَّدَ لِسُؤَالِ الشَّاعِرِ، فِي عَجْرِ البَيْتِ: أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ؟ كَيْفَ أحْتَرِسُ لِأَحْمِي شَيْئًا مِنْ ذَاتِي؟!

فَلَوْ افْتَرَضْنَا، جَدَلًا، أَنَّ مُسْتَحَقَّ الحِمَايَةِ جُزْءٌ مِنَ الذَّاتِ، وَأَنَّ مَنْ يَجِبُ عَلَينَا مَوَاجَهَتُهُ لِتَحْقِيقِ الحِمَايَة، جُزْءٌ آخَرُ مِنْهَا، يَنْبَغِي ألَّا نَنْسَى، بَتَاتًا، أَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الذَّاتِ نَفْسِهَا، لَا مِنْ غَيْرِهَا!

مَا أَشبَهَ هَذَا، بِقَوْلِ المُتَنَبِّي:

فِيكَ الخِصَامُ وَأَنْتَ الخَصْمُ وَالحَكَمُ

لَكِنَّ حَالَةَ بَيتِ أَبِي العَلَاءِ أَكثَرُ تَعقِيدًا مِنْ حَالِ بَيتِ أَبِي الطَيِّبِ.

إِنَّ هَذِهِ الصُّعُوبَةِ الكُبْرَى، وَهَذَا التَّعْقِيدُ الشَّدِيدُ، هُوَ لُبُّ الخُطُورَةِ، ومَكمَنُ المُعضِلَةِ، فِي انْفِرَادِ النَّفْسِ بِالقَرَارِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَتَوَلِّيهَا الأُمُورَ كُلَّهَا، دِقَّهَا وَجُلَّهَا، وَاسْتِبْدَادَها بِإِصْدَارِ النَّوَاهِي وَالأَوَامِر.

omantoday

GMT 08:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 03:30 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

لا يريدون

GMT 11:30 2026 السبت ,18 تموز / يوليو

المحيط الهادئ ومستقبل النظام العالمي

GMT 12:56 2026 الثلاثاء ,07 تموز / يوليو

المجتمع الدولي واليمن المختطَف

GMT 02:13 2026 الأحد ,05 تموز / يوليو

الحوثي في حفرة الأرنب

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ أَنَا مِنِّي كَيفَ أَحْتَرِسُ



فساتين لافتة في حفلات نجمات الغناء هذا الأسبوع

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 21:21 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

شؤونك المالية والمادية تسير بشكل حسن
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon