أَرَأَيتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ

أَرَأَيتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ؟

أَرَأَيتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ؟

 عمان اليوم -

أَرَأَيتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ

تركي الدخيل
بقلم - تركي الدخيل

يَخْتَارُ الشَّاعِرُ، المُْبدِعُ، العَبَّاسُ بنُ الأحْنَف، أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ، يَبْدُو فِيهِ وَهْوَ يُمَارِسُ حِيَادًا جَلِيًّا، رَاوِيًّا لِجُمْهُورِ شِعْرِهِ، حَالَةً جَدِيرَةً بِتَأَمُّلٍٍ وَدَرْسٍٍ وَتَفَكُّرٍ!

وَرَغْمِ أنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مُحَاوِرًا لِصَاحِبِ الحَالَة، مُنَاقِشًا فِكْرتَهُ، ناصحًا لَهُ، إلا أَنَّهُ لَا يُخْفِي وُقُوفَهُ مَعَهُ، وإِنْ بَدَا لَهُ نَاقِدًا، وَلِسُلُوكِهِ رَافِضًا.

وَرُبَّمَا رَأَى العَبَّاس أَنَّ مُجَرَّدَ رِوَايَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، يَصْنَعُ تَعَاطُفًا جَمَاهِيرِيًّا مَعَه، فَتَصْوِيرُ انْغِمَاسِهِ فِي العِشْقِ حَدَّ الغَرَقِ، يَسْتَدِرُ مَشَاعِرَ العُشَّاقِ، وَيَجْلِبُ مُنَاصَرَةَ أَهْلِ الحُبِّ وَالأَشْوَاقِ، وَتَأيِيدَ الهَائِمِينَ فِي عَوَالِمِ الهَوَى، وَهَؤلَاءِ هُمُ النَّاس، فِي نَظَرِ العَبَّاسِ بنِ الأَحْنَفِ، القَائِل:

وَمَا النَّاسُ إِلَّا الْعَاشِقُونَ ذُوُو الْهَوَى

وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُحِبُّ وَيَعْشَقُ

***

نَعُودُ إلَى مَوْضُوعِنَا، وَأَبْيَات الشِّعْرِ فِيهِ، وَفِي أَوَّلِهَا، يَبْدَأُ الشَّاعِرُ بَيْتَهُ بِخِطَابٍ مُبَاشِرٍ لِصَاحِبِهِ، قَائِلًا:

يَا أَيـُّهَا الرَّجُـلُ المُـعَـذِّبُ نَـفْـسَـهُ

أَقْـصِـرْ فَإِنَّ شِـفَـاءَكَ الإِقْصَارُ

إنَّهُ يَصِفُهُ بِصَرَاحَةٍ، وَمُبَاشَرةٍ، بِأنَّهُ «الرَّجُلُ المُعَذِّبُ نَـفْـسَـهُ»!

وَفِي هَذَا الوَصْفِ، إِثْبَاتُ احْتِرَامِهِ لِلْمُخَاطَبِ، فَهوَ لَمْ يُجَرِّدْهُ مِنْ رُجُولَتِهِ، بَلْ بَدَأَ وَصْفَهُ إِيَّاهُ بِهَا؛ «أَيُهَا الرَّجُلُ»، ثُمَّ أَصْدَرَ حُكْمَهُ عَلَيْهِ، وَهْوَ أنَّهُ بِهَذَا السُّلُوكِ يُعَدُّ «المُعَذِّب نَفسَه»، وَلَمْ يَقُلْ عَنْهُ: يُعَذِّبُ نَفْسَه!

فَتَعْذِيبُهُ نَفْسَهُ قديمٌ مُمتَدٌ مُسْتَمِرٌ، وَاسْتِخْدَامُهُ (ال) التَّعْرِيف فِي وَصْفِهِ، يَحْمِلُ دَلَالَةَ عُمْقِ المُمَارَسَة، فَهْوَ مُعَذِّبُ نَفْسِه، بأَشَدِّ مَا يُمْكِن.

وَفِي عَجُزِ البَيْتِ الأَوَّلِ يَنْتَقِلُ إلَى نُصْحِ الرَّجُل بِوُضُوحٍ وَاخْتِصَارٍ، بَعدَ أَنْ كَشَفَ فِي صَدْرِ البَيتِ مُصِيبَتَهُ، وَلِأَنَّهُ مُعَذِّبٌ نَفْسَه بِاسْتِمْرَارٍ وَإِصْرَارٍ، جَاءَتْ النَّصِيحَةُ بِوُجُوبِ الإِقْصَارِ: «أَقْصِرْ»، وَذَلِكَ بِقَطْعِ هَذَا السُّلُوكِ الطَّوِيلِ المُمْتَد، وَبَيَّنَ سَبَبَ نَصِيحَتِهِ فِي العَجُزِ نَفْسَهُ: «فَإِنَّ شِفَاءَكَ الإِقْصَارُ».

نَزَفَ البُكَاءُ دُمُوْعَ عَينِكَ فَـاسْـتَعِرْ

عَيْناً لِغَيرِكَ دَمْعُهَـا مِدْرَارُ

نَزَفَ: سَالَ. نَزَفَ يَنزِفُ، نَزْفًا، فهو نَازِفٌ. وَالنَّزْفُ هُوَ سَيَلَانُ الشَّيْءِ حَتَّى نِهَايَتِهِ. وَالنَّزِيفُ هُوَ مَنْ سَالَ دَمُهُ.

نَـزَفَتْ عَينُ الرَّجُل: بَكَى دَمْعًا حَتَّى جَفَّ دَمْعُهُ.

نَـزَفَ البُـكَـاءُ دُمُـوْعَ عَيـنِـكَ: أيْ أَنَّ بُكاءَكَ المُتَوَاصِلَ كَانَ سَبَبًا فِي نَفَادِ دَمْعِكَ، وَجَفَافِ عَيْنِكَ مِنْ دُمُوعِهَا، وَلِذَلِكَ «اسْتَعِرْ»: وَهْوَ أَمْرٌ بِأَنْ يَسْتَعِيرَ، أيْ يَطْلُبْ مِنْ أَحَدٍ أنْ يُعِيرَهُ الشَّيْءَ، وَذَلِكَ بأَنْ يُعْطِيَه إيَّاهُ مُدَّةً مِنْ الزَّمَنِ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِصَاحِبِه.

وَلَكِنْ، مَاذَا يُرِيدُهُ أنْ يَسْتَعِيرَ؟

قَالَ الشَّاعِرُ فِي عَجُزِ البَيْتِ الثَّانِي، مَا أَمَرَهُ بِاسْتِعَارَتِهِ، وَهْوَ: «عَـيْناً لِغَيرِكَ دَمْعُهَا مِدْرَارُ»!

يُرِيدُهُ أنْ يستعير عَينَ غيره، واشْتُرط في العين المستعارة دَمْعٌ مِدْرَارٌ، أي كثيف الماء، كثيره، مستمر الهطول!

مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَينَهُ تَبْكِي بِهَا

أَرَأَيتَ عَـيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ؟

وَبَعْدَ أَنْ أمَرَ الشَّاعِرُ صَاحِبَهُ بِاسْتِعَارَةِ عَيْنٍ مِدْرَارَةِ الدَّمْعِ مِنْ غَيْرِهِ، فِي البَيْتِ الثَّانِي، هَبَطَ مِنْ سَمَاءِ الخَيَالِ، إلَى أَرْضِ الوَاقِع، فِي البَيْتِ الثَّالِث، مُتَسَائِلًا سُؤَالًا اسْتِنْكَارِيًّا، لَا يَنْتَظِرُ جَوَابَهُ، إذِ الإِجَابَةُ مَعْرُوفَةٌ سَلَفاً، فَقَالَ:

مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَينَهُ تَبْكِي بِهَا؟

لَقَدِ اقْتَرَحْتُ عَلَيْكَ اسْتِعَارَةَ عَيْنٍ مِدْرَارَةٍ مِنْ غَيْرِكَ، بَعْدَ أنْ جَفَّ دَمْعُكَ مِنْ كَثْرَةِ بُكَائِكَ، لِأَنَّ هَذَا هُو الحَلُّ لِمَنْ يُصِرُّ عَلَى مُوَاصَلَةِ البُكَاءِ، مِثْلكَ، وَإنْ نَزَفَ البُكَاءُ دُمُوعَ العَيْن، لَكِنَّ هَذَا الحَلَّ الوَحِيدَ مُسْتَحِيلٌ، فَمَنْ الَّذِي سَيُعِيرُكَ عَيْنَهُ لِتَبْكِي بِهَا؟

ثُمَّ، باللهِ عَلَيكَ: أَرَأَيتَ عَيْناً للـبُكَاءِ تُعَارُ؟

لقد بَلَغَ بِكَ الحَالُ، أَنْ أَوْصَلَكَ مَا أنْتَ فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ نَفْسِكَ، بِالبُكَاءِ المُتَوَاصِلِ، إِلَى تَصْدِيقِ المُسْتَحِيل، وَقَبُولِ الاقْتِرَاحَاتِ الخَيَالِيَّة؛ فَمَنْ سَيُعِيرُكَ عَيْنَهُ لِتُوَاصِلَ بُكَاءَكَ بِهَا؟ وَهَل سَبَقَ لَكَ أَنْ رَأَيتَ أَوْ سَمِعْتَ بِعَينٍ تُعَارُ للبُكَاءِ؟!

***

والعَبَّاسُ بن الأَحْنَفِ (133-192هـ): الحَنَفِيٌ (نِسْبَةً إلَى بَنِي حَنِيفَة)، أَصْلُهُ مِنَ اليَمَامَةِ بِنَجْدٍ. وَهْوَ شَاعِرُ زَمَانِهِ، لَمْ يَقُلْ شِعْرًا فِي غَيْرِ الغَزَلِ، ولَمْ يَهْجُ ولَمْ يَمْدَح.

كَانَ رَقِيقَ الحَاشِيَةِ، لَطِيفَ الطِّبَاعِ. وَكَانَ فِي العَبَّاسِ آلاتُ الظُّرفِ: كَانَ جَمِيلَ المَنْظَرِ، نَظِيفَ الثَّوْبِ، فَارِهَ المَركَبِ، حَسَنَ الأَلْفَاظِ، كَثِيرَ النَّوَادِرِ، شَدِيدَ الاحْتِمَالِ، طَوِيلَ المُسَاعَدَة، كَمَا فِي «مَعَاهِد التَّنْصِيص». وَاللهُ أَعْلَم.

omantoday

GMT 05:31 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

نفي النفي إثبات

GMT 05:30 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

إنهاءٌ للمعركة أم ترحيلٌ لها؟!

GMT 05:29 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

... عن «الصورة» في السياسة والمفاوضات

GMT 05:27 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

صارَ للأمتين وسيط صبور

GMT 05:26 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

«بريكست»... جردُ الربحِ والخسارة

GMT 05:24 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

فلسطين تلعب «فوتبول» مع إسرائيل

GMT 15:09 2026 السبت ,27 حزيران / يونيو

صورة المفتي سجيناً

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أَرَأَيتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ أَرَأَيتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ



كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - عُمان اليوم

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 07:09 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور إيجابية خلال هذا الشهر

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon