ما لَا تعرفُه عنِ المؤسس الملكِ عبدِ العزيز

ما لَا تعرفُه... عنِ المؤسس الملكِ عبدِ العزيز

ما لَا تعرفُه... عنِ المؤسس الملكِ عبدِ العزيز

 عمان اليوم -

ما لَا تعرفُه عنِ المؤسس الملكِ عبدِ العزيز

تركي الدخيل
بقلم - تركي الدخيل

ممَّا يستحسنُه العقلاءُ، الاستئناسُ باستعراض سِيَرِ الشخصياتِ العظيمةِ التي تركت في الحياةِ أجملَ الأثر، وفي هذه السُّطور، أعرضُ لمحاتٍ من خصالِ مؤسّسِ المملكةِ العربيةِ السعودية، الملكِ عبدِ العزيز بنِ عبدِ الرَّحمن الفيصل آل سعود، أنزلَ اللهُ عليه شآبيبَ الرَّحمات. والجمع في العنوان يُراد به الغالبُ، وليس الجميع...

دِقَّةٌ في الوقت: كانَ موظفو الديوانِ الملكي، يقولونَ إنَّهم قد يضبطون ساعاتِهم على تنقّلاتِ الملكِ عبدِ العزيز، وأعمالِه اليوميةِ المعتادة. كخروجِه من قصره الدَّاخلي، وعودتِه إليه، وجلوسِه للنَّظر في الأعمال، وقيامِه للنُّزهةِ وابتدائِه جلستَه المسائيةَ، وغيرِ ذلك.

برنامجُه لا يغيّرُه السَّفر: يقولُ خيرُ الدين الزِّرِكْلي، في كتابِه «الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز»: هوَ من أشدِّ النَّاس، بل أشدّهم، محافظةً على برنامجِ عملِه، حتى في أسفارِهِ، أيامَ كانت مطاياهُ ظهورَ الخيلِ والإبل.

بَرنامَجُهُ اليَومي: اعتاد أن يستيقظَ قبل الفَجرِ بنحوِ ساعةٍ، فيقرأ سوراً من القرآنِ الكريم، ويتعبَّدُ ويتهجَّدُ، وكثيراً ما يُسمَع له نَشيجٌ، ويستمرُّ إلى أن يؤذّن الفجر، فيصلِّي الصُّبحَ مع الجَماعة، ويسبّحُ ويقرأ وردَ الصَّباح، ويدخلُ فيضطّجع إلى أن تشرقَ الشَّمس. وينهضُ فيغتسل ويلبسُ ثيابَه ويفطر، ثُمَّ يخرجُ إلى المجلسِ الخاص فتُعرض عليه مهامُّ الحكومةِ في فترةٍ غيرِ طويلة. يأذنُ بعدَها بالمقابلاتِ الخاصةِ لكبار الزوَّار، ثُمَّ ينتقلُ إلى المجلسِ العام، حيث يدخلُ كُلُّ من يريدُ مقابلتَه، ويمكثُ نحوَ ساعةٍ، فإذَا اقتربَ وقتُ الظُّهرِ، نهضَ للغداءِ، ومنه إلى القصرِ فيستريح قليلاً، ثُمَّ يُصَلِّي الظّهرَ مع الجماعة، ويعودُ إلى مجلسِه الخاص، فيُعرَض عليه ما تجدَّدَ من الشُّؤون العامة، إلى صلاةِ العصر. ويجلسُ بعدَها لإخوانِه وأولادِه وأقاربِه وكبارِ الموظفين، ثُمَّ يخرجُ بسيَّارتِه إلى ظاهر المدينةِ للرياضة. ويعودُ بعدَ صلاةِ المغربِ. وبعدَ العشاءِ يجلسُ في مجلسٍ شبهِ عام.

مَجلِسُهُ: في المَجلسِ يتلُو القارئُ فصولاً من كتبٍ مختلفةٍ، ثمَّ يدخلُ قارئُ الإذاعةِ العربيةِ فيتلُو مَا التقطَ من محطاتِ الإذاعاتِ الشرقيةِ من متنوّع الأخبار. ويأتِي بعدَهُ قارئُ الإذاعاتِ الأجنبية، وقد ترجمَ أهمَّ ما أُذِيع. ويتكرَّرُ قُرَّاءُ الإذاعاتِ في الضُّحى، وبعدَ العَصر، وفي الهَزيعِ الأوَّلِ من اللَّيلِ. وفي نَحوِ السَّاعةِ العَاشرةِ مساءً ينفضُّ المجلسُ، بنهوضِ الملكِ عائداً إلى داخلِ القَصر، بعد أن يتلطَّفَ بكلماتٍ يختِمُها بتحيةِ الجميع: السَّلامُ عليكم.

يفكّرُ بصَوتٍ مَسموع: يقولُ الزِّركلي: كانَ لما يراهُ الملك أو يلمحُه انطباعٌ سريعٌ في نفسه، من حيثُ لا يشعر، وإذا تمكَّنَ من نفسِه خاطرٌ، لهجَ بهِ وتحدَّثُ عنه في مجالسِهِ، ومعَ نفسِه... وكانَ يُرَى أحياناً يتحدَّثُ منفرداً بصوتٍ مَسموع... لا يكتفِي بالتَّفكير بل يزيدُ عليهِ التَّعبير.

ذوقُهُ في الأسْمَاء: وَكانَ للملكِ عبدِ العزيز ذوقٌ خاصٌّ في الأسْماء. اتَّصلَ بخدمتِهِ خالدٌ القَرقنِي منْ مُجاهدِي طرابلسَ الغرب. واستثقلَ الملكُ لفظَ (القَرقني)، فَدَعَاهُ (أبُو الوَليد)، فكانَ يُقالُ لهُ: خالد أبُو الوُليد، إلى أنْ رُزِقَ غلاماً فسَمَّاهُ الوَليد.

وكانَ لا يجرِي على لِسانِه السُّكونُ في أواخرِ الأسماءِ المنتهيةِ بالتَّاءِ المَرْبُوطةِ، مثلَ: مدحت، وطلعت، وحكمت، فيجعلُها هاءً ساكنة: مدحه، حكمه... وهكذا.

قُلتُ: لقد كانَ الملكُ عبدُ العزيز عربياً قحّاً، وهذهِ أسماء تركيةٌ، وإلَّا فالعربُ تقفُ على ساكنٍ دوماً. يألَفُ ويُؤلَف: وكانَ رحمهُ اللهُ يألَفُ ويُؤلَف، وفي مجالسِه يتفاعلُ معَ كلّ أحدٍ بالقدرِ الَّذِي يناسبُه.

كتبَ الصّحافي والكاتبُ المصريُّ، إمام شافعي أبو شنب (ت1945م)، في كتابِه: «بُنَاة الإسلام»، الذي وصَف فيهِ رحلةَ الحَج، والمنشورِ عامَ 1943م، عمَّا وصفَهُ بـ«ديمقراطية» الملكِ المؤسس، فقالَ: «والحق أقول: إنَّ جلالةَ الملك عبدِ العزيز مثاٌل صالحٌ للملوكِ المسلمين العدول، وهو في (ديمقراطيته) العربيةِ الحَقَّة، وعدلِه وتواضعِه، أبرزُ عنوانٍ، وأسمَى رمزٍ، وأعلَى مثالٍ، يخاطبُه الصَّغيرُ مخاطبةَ النّدِ لِلنّد. وقدْ شاهدتُ بعَينَي رأسي أَعْرابيّاً قزماً يدخلُ عليهِ ويريدُ تقبيلَه فِي جَبينِه، فلمْ يستطعْ لقِصَرِه وَطُولِ قامةِ الملكِ، فأمسكَ برأسِ جلالتِه وقرَّبَها إليهِ قائلاً: كيف أنت يا عبد العزيز؟!)».

كُنيتُه وألقابُه: كانَ أحبَّ الكُنَى لعبدِ العزيز، أن يُقالَ له: أبو تُركِي (ابنه البكر تركي الأول). أمَّا توجيهُ الخطابِ إليهِ بطويلِ العمر، فهذَا يشاركُه فيه كثيرونَ في المملكة، عندمَا يتحدَّثُ أحدُهم إلى الآخر، وكانَ أحبَّ إليه من دعوتِه بعظمةِ السُّلطانِ أو جلالةِ الملك.

وإذَا قيلَ في حاشيةِ عبدِ العزيز وبينَ رجالِه: حضرَ الشُّيوخ، كانَ المعنِيّ هو بذلك، حتَّى في أيامِ أبيه، لأنَّ لأبيه لقباً آخرَ عُرف به إلى آخرِ حياتِه، وهوَ الإمام.

مع الوُشَاة: كانَ عبدُ العزيز يكرهُ الوشايةَ، وهي عنده شقيقةُ الكذب، عَرفَ ذلك فيه المقربونَ منه، من الخاصةِ والحاشية ورجال ديوانه. قالَ الزّركْلي: يحدّث أحدُهم عبدَ العزيز بأمر يتعلَّق بزميلٍ له، فلا يلبث أن ينقُل الملكُ حديثَه إلى الشَّخص الآخر، ويقول: أخبرَنِي به فلان! فكفَّوا جميعاً..

يحبُّ الطِّيبَ والنظافة: وكانَ، رحمه الله، نظيفاً، عُرِف عنه حُبُّ النظافة والطيب، وكان يُكثرُ من الاغتسالِ في الصَّيفِ والشتاء. فقد يغتسلُ ستَّ مراتٍ في أيام القيظ. ولا يقلّلُ استحمامَه عن مرتين كلَّ يوم، في الشّتاء، إلَّا لسببٍ صحيّ.

يتطيَّب لزوجتِه: قالَ حفيدُه الأميرُ عبدُ الله الفيصل، في حديثِه عن جَدِّه:

حبُّه للنظافةِ والطيب من المعروف، في النَّهار، ولا أستغربُ ذلك، لكنّي لاحظتُ في إحدَى الليالي، أَنَّه قبل أن يذهبَ إلى فراشه، ذهبَ إلى الحمام، واستحمَّ، ولبِسَ للنوم ملابسَ نظيفةً، ودعَا بالبَخورِ، وتبخَّرَ بالعود، وتعطَّرَ بعطرِ الوردِ الذي كانَ يحبُّه. فتجرأت بسؤاله عن هذا، وهو ذاهبٌ إلى فراشه.

فقالَ: يا ابني إنَّ زوجتي حَرصت على أن أراهَا في أبهَى منظرٍ، وأن أشمَّ منها أحسنَ رائحة... أليسَ لها نفسُ الحق في أن ترانِي في أبهَى منظر، وأن تشمَّ معِي أزكَى رائحة؟ كانَ يُحِبُّ أن يرتكزَ على الصَّداقةِ في كثيرِ من علاقاتِه معَ الآخرين.

وكان مع علمه بأن الصداقة كلمة جوفاء، لا معنى لها في عُرف أهل المادة، يحرص على أن يطبعها بطابع مادي، وأن يبني عليها غير القليل من الثقة في التعامل وحل المشكلات.

عطر المتعلمين: زار الملك عبد العزيز ذات يوم مدرسة الأمراء، حيث يدرس أولاده وأحفاده، زيارة مفاجئة، ودخل أحد الفصول، فاجتمع حوله التلاميذ فرحين به حيث كانت عادته ملاطفتهم، وإذا بأحد أبنائه يحاول إخفاء بقعة حبر انسكبت على ثوبه خجلاً، فتنبه الملك عبد العزيز لذلك، وقالَ له: لا تخفها، فهذا عطر المتعلمين.

اجتماعٌ أسبوعيٌّ للأحفاد: وكانَ الملكُ عبدُ العزيز، رحمهُ الله، يجمعُ أحفادَه في صباهم في يومٍ محدَّد كُلَّ أسبوع، يقدمونَ إلى قصرِه ويدخلونَ مجلسه، فيصطفّونَ في صَفِّ قبالته، يتقدمُهم الأكبرُ فالأكبر، حتى يصلَ أحدُهم إلى الملك، فيسلم عليه ويقبل يدَه ورأسه، والملكُ يتبسمُ لكل واحدٍ منهم، ويلاطفُه بعد أن يسألَه عن اسمِه، ثمّ يترك الفرصةَ لمن خلفه ليتشرَّفَ بالسلامِ على الجَد المحبوب، وكلُّ من انتهى من السلام اتَّجهَ نحو طاولتين خُصصت واحدةٌ لإهداء كلّ واحدٍ من الأحفاد ثلاثةَ ريالات فضة سعودية، وكانت حديثةَ الإصدار آنذاك، وفي الطاولةِ الأخرى من يوزّع عليهم قطعاً من البسكويت، وكانَ عددُهم، بحسبِ أحدهم، بين 15-20 حفيداً.

رحم اللهُ الملكَ عبدَ العزيز بواسعِ رحمته، وأسكنَه أعلَى الجِنان، وجزاهُ عن وطنِه وشعبِه خيرَ الجزاء.

omantoday

GMT 17:42 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

ولا يتغيَّرون

GMT 17:39 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

أميركا وإيران... رقصة «تانغو» على إيقاع صامت

GMT 17:36 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

من حديث التاريخ بين صنعاء والرياض

GMT 17:34 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

مشروعان يتنازعان الشرق الأوسط

GMT 17:33 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

ليبيا في الأسر... والمواطنون ملوا المراوحة

GMT 17:28 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

الجمعية العامة ودستور ذكي للبشرية

GMT 21:22 2026 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

الأمم المتحدة...هرج كثير ومرج قليل

GMT 21:19 2026 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

اليمن مسألة لن تحل نفسها بنفسها

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما لَا تعرفُه عنِ المؤسس الملكِ عبدِ العزيز ما لَا تعرفُه عنِ المؤسس الملكِ عبدِ العزيز



إطلالات المشاهير في اليوم الوطني السعودي تجسد هوية الوطن برؤية معاصرة

الرياض - عُمان اليوم

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 21:12 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 05:12 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في منزلك الثامن يدفعك لتحقق مكاسب وفوائد
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon