«الرواية السياسية» بين الأدب والسياسة

«الرواية السياسية» بين الأدب والسياسة

«الرواية السياسية» بين الأدب والسياسة

 عمان اليوم -

«الرواية السياسية» بين الأدب والسياسة

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

من طبيعة الحروب التي تختلط فيها قوة السياسة مع قوة السلاح، وتنضم إليهما قوة الآيديولوجيا وقوة الاقتصاد، أن تكون مليئةً بالتقلبات ومعقدة التشابكات ولدى مؤدلجيها المتشددين رغبةٌ ملحةٌ في الانتحار.

عوالم الأدب لا نهائية في امتداداتها وتأثيراتها وتطوراتها ومثلها عوالم السياسة، ولهذه العوالم تجليات متعددةٌ، تتفق حيناً وتختلف أحياناً، غير أنَّ ما يجمعها أكثر مما يفرقها، فالجمع بينها يكون للخروج بمعنى معيّن والتفريق يكون لإبراز التفاصيل الدقيقة لإحكام العلم وتغطية العوالم.

«فن الرواية» فنٌ أدبيٌ عظيمٌ، وهو يزداد عظمةً كلما تقدمت البشرية وخطت خطوات ثابتةٍ نحو المستقبل، وفي العصر الحديث فلطالما بنيت نظريات «اليسار» في التاريخ الحديث للبشرية على فكرة أن الأمم والشعوب والمجتمعات والأفراد تعادي الدول، وهي تسعى دائماً لمواجهتها أو التعبير عن الرغبة الدفينة في الثورة عليها، ويمكن قراءة مثل هذا الطرح في كثيرٍ من الثقافات المعاصرة وباللغات الكبرى فيه، فهم انطلقوا من «النظرية» المكتملة فلسفياً والمتماسكة منطقياً مع «ماركس وإنجلز» ومن تلاهما ليعيدوا بناء كل شيء بحسب تلك النظرية، ومن هنا فهم يعيدون «كتابة التاريخ» و«تأويل الثقافة»، وتحميل الآداب شعراً ونثراً عبر امتداد الزمان وعرض الثقافات ما لا يطيقانه من أجل شيء واحدٍ وهو إثبات صحة النظرية.

وكما صنع اليسار صنع القوميون ونظّر المؤدلجون من كل ثقافة ولغةٍ ودينٍ، فهم لا يختلفون في النهاية إلا من حيث اتفقوا مطلع الفكر وفجر التفلسف، فلئن كتبوا وأكثروا في تأكيد فلسفتهم وفكرهم شعراً ونثراً وروايةً، يظلون على الدوام قاصرين عن شرط الإبداع ومتدثرين بالنظرية باعتبارها فوق الجميع.

ألا يمكن للأدب أن يقول كلمتَه في السياسة؟ بلى، ويمكن أن تكون هي الكلمة الأقوى والأبقى، مثلما فعلت رواية «الحرب والسلام» لتولستوي وغيرها كثيرٌ، وهو ما يَبين عن سطوة الأدب في التأريخ للسياسة ويكشف عن أثر السياسة في صياغة الأدب الموجّه.

كتب دوستويفسكي الأديب الروسي الكبير روايته «مهانون مذلون» ليعبر عن طبقة من البشر دائماً ما يكون هذا مصيرها، وهو ما ينطبق على العديد من الأقطاب الدولية في العصر الحديث للبشرية مثل القطب الشرقي أو الشيوعي أو الاشتراكي، وكذلك الكثير من التيارات السياسية التابعة له في شرق الأرض وغربها، وزد على ذلك التنظيمات الآيديولوجية يساريةً كانت أم قوميةً، شيوعيةً كانت أم إسلاموية، فهم جميعاً «مهانون مذلون» بمعنى أنهم يهزمون دائماً في كل صراعٍ وإن طال، وفي كل اشتباكٍ وإن عمّر، والتاريخ الحديث فاتحٌ ذراعيه لكل معتبرٍ يعرف القراءة ويحسن الفهم.

الحرب الحالية في الشرق الأوسط مصيرها هو مصير كل حروب الدنيا قديماً وحديثاً، فهي ستنتهي بمنتصرٍ ومهزومٍ، برابحٍ وخاسرٍ، وهناك فارقٌ كبيرٌ بين أن تكون قادراً على خلق الميليشيات المسلحة واستقطاب تنظيمات الإرهاب، وأن تكون دولةً قويةً، فالأولى سهلة الانهيار والتفكك لأنَّها تتغلغل في مناطق الفراغ، وتعتمد على الاختباء والتضليل، بينما الثانية قادرةٌ على إلغاء الفراغات وفرض الخيارات بالقوة الفعلية الباردة والساخنة.

الحرب تمنح العاقل فرصة الادكار والتفكر، وتمنح المؤدلج فرصة الضياع في غياهب الجهل والخرافة، ورواية «مهانون مذلون» المذكورة سابقاً هي وصفٌ لبعض ما تمرّ به المنطقة من أحداثٍ كبرى وحروبٍ خطيرةٍ، وتتابع الخسائر الكبرى دون قدرةٍ على القراءة السياسية الواعية، ومدمنو الوهم ومحترفو الدجل يصابون بالحيرة عند مواجهة الواقع المحض بمنطقه الصارم في تفسير معاني القوة التي لا يخالطها وهمٌ، ومعاني السيطرة التي لا يخالجها تخادعٌ.

الأحداث الصاخبة والحروب الطاحنة والتغيير الكبير لموازين القوى في أي منطقةٍ من العالم، فرصةٌ لتمرير تغييراتٍ جوهريةٍ في مجالاتٍ عامةٍ لا علاقة لها بمركز الاهتمام والتركيز، فيتم بناء أولوياتٍ لا تخدم الجانب الذي سينتصر، ومن ذلك العمل على إضعاف النخب السياسية والثقافية والأدبية المساندة للحق والمؤيدة للأوطان والمدافعة عن العقلانية والمنطق في الوقت نفسه الذي يتمّ فيه فتح كل السقوف لخصوم هؤلاء، ليبرزوا كقادة فكرٍ ومنارات علمٍ وقدوات تحليلٍ، وفي هذا تمهيدٌ خطيرٌ لمراحل ما بعد الحروب، بحيث يصبح الجمهور وغالب المجتمعات مجبرين على الاختيار بين اتباع النخب المعادية لوطنهم، واتباع محترفي الرداءة والتفاهة، بعد التضييق على النخب الوطنية المخلصة.

أخيراً، فكل أمنيات دول المنطقة، وخاصة دول الخليج العربي، قياداتٍ وشعوباً، هو أن تنتهي هذه الحرب لتستمر هذه الدول في رؤى التقدم وخطط الازدهار ومشاريع المستقبل، بعيداً عن أي مغامراتٍ تضرّ بمستقبل المنطقة بأي حالٍ من الأحوال.

omantoday

GMT 14:38 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

هتشكوك

GMT 14:36 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

العمّة آمنة والملكة كاترينا

GMT 14:34 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

منطقتنا بانتظار قرارات مفهومة التفاصيل

GMT 14:32 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أبعد من مهاترات حول التفاوض مع إسرائيل

GMT 14:31 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

لقاء العمالقة... واستقرار المنطقة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الرواية السياسية» بين الأدب والسياسة «الرواية السياسية» بين الأدب والسياسة



يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 14:43 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

مؤشر بورصة مسقط يغلق مرتفعًا بنسبة 1.014%

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 09:32 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج القوس

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon