بقلم : عبد الرحمن شلقم
الولاياتُ المتحدة، منذ استقلالها سنة 1776، لم تُطلق عليها رصاصةٌ واحدةٌ معادية فوق أراضيها. المحيط الأطلسي أو «بحر الظلمات» كما سمَّاه القدماء، كان بالنسبة لها الخندق المائي العريض والدرع الذي لا يعبره معتدٍ مهما كانت قوته. بعد تحقيقها استقلالها ووحدتها، تحركتِ الدنيا الجديدة بسرعة، لبناء صناعات عسكرية متطورة. شهد العالم معاركَ دينية واستعمارية توسعية، لم يشارك فيها الكيانُ الأميركيُّ العملاقُ الجديد. أوَّلُ حرب تخوضُها البحريةُ الأميركية خارجَ مياهها، كانت مع حكومةِ طرابلسَ القرهمانلية في بدايةِ القرن التاسع عشر.
دخلتِ الولاياتُ المتحدة الحربَ العالمية الأولى، سنة 1917، بعد فترةٍ من الحياد، وكانت مشاركتُها نقطةَ تحول في الحرب. قامت غواصاتٌ ألمانية بإغراق سفنٍ تحمل مواطنين أميركيين، وكانت بين أميركا وفرنسا وبريطانيا علاقاتٌ تجاريةٌ واسعة. ألمانيا كانت المستفزَّ الأساسي، الذي دفع الولاياتِ المتحدة إلى التحالف مع فرنسا وبريطانيا، خاصةً بعدما اكتشفت مراسلات ألمانية مع دولة المكسيك تعرضُ فيها التحالف معها، مقابلَ استعادة أراضٍ مكسيكية أخذتها أميركا. أرسلت أميركا مليونَ جندي مسلحين بمعدات عسكرية حديثة، للقتال إلى جانب القواتِ الفرنسية والبريطانية. انتهتِ الحربُ بهزيمة ألمانيا وجرى توقيع الهدنة. عُقد مؤتمر فرساي بقيادة الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، الذي برّر منذ البداية دخوله الحرب تحت شعار «جعل العالم أكثرَ أمناً بقوة الديمقراطية». في هذه الحربِ التي لم تصل نيرانها إلى اليابسة الأميركية، اعتلت أميركا صدارةَ السياسة الدولية، وبدأ العالم يحلم بعصر يعمّه السلامُ والتقدم وتغرب فيه الحروب. تأسست منظمة عصبة الأممِ بمبادرة من الرئيس الأميركي ويلسون. بعد الحرب التي وصفت بالكبرى، سادت حالة من الأمل والسلام، وتطورتِ الصناعاتُ، ووجدت الأيدي العامة فرصاً واسعة للعمل. ألمانيا التي انحنت تحت عقوبات ثقيلة، عمَّها الجوع والفقر والبطالة، وفشلت حكومة فايمار في مواجهة المعاناةِ الخانقة التي طحنت الشعب. في إيطاليا التي كانت من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، انهار الاقتصادُ واتَّسعتِ البطالة، وساد الإحباط والغضبُ الشعبي، وانفتح الباب الواسع للفاشية بزعامة بنيتو موسوليني سنة 1922. في الولايات المتحدة، بدأت مرحلة جديدة من النهوض والتطور في البلاد، وساد الأمل في رسوخ السلام العالمي. وبعدما تمكنت الفاشية من الاستيلاء على الحكم في إيطاليا، صعدت قوة ديكتاتورية أخرى في أوروبا، إلى الحكم، يقودها أدولف هتلر على رأس الحزب النازي سنة 1933. تعاطفت الحكومة الأميركية مع معاناة الشعب الألماني، وقدّمت له المساعدات التقنية المتقدمة، واندفع الفوهرر أدولف هتلر في تطوير قدرات بلاده العسكرية بسرعة مذهلة.
رفع هتلر شعار «أينما وُجد شعبٌ يتحدث اللغة الألمانية، تكون أرض ألمانيا»، وتقدم في أراضي تشيكوسلوفاكيا، بعدما عقد مؤتمر ميونيخ سنة 1938، شارك فيه أدولف هتلر ورئيس وزراء بريطانيا نيفيل تشمبرلين، ورئيس وزراء فرنسا إدوارد دالاديير، ورئيس وزراء إيطاليا بنيتو موسوليني، ووافق الجميع على ضمّ ألمانيا لإقليم السوديت التشيكي، فيما عُرف بسياسة الاسترضاء، وضمّ هتلر النمسا في استفتاء شعبي قسري. كانت أوروبا تشهد تغييراً تاريخياً خطيراً، سيرسم الخريطة الجديدة للقارة العجوز، ويؤسس لبداية عالم جديد. الولايات المتحدة التي احتمت بالخندق المائي الواسع (المحيط الأطلسي)، لم تمد سنَّارتَها السياسية إلى بحار الآخرين، إعمالاً لمبدأ الرئيس مونرو الحيادي. رغم قمة ميونيخ الاسترضائية مع ألمانيا، لم يشبع نهم هتلر في ضم مزيد من الأراضي الأوروبية، فقام باحتلال جزء من بولندا. أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا، وقدح زناد الحرب العالمية الثانية، ولم تتخذ أميركا موقفاً من الزلزال الأوروبي، في حين عقد الاتحاد السوفياتي اتفاقية عدم اعتداء مع ألمانيا، فيما عُرف باتفاقية روبنتروب مولوتوف السرية.
تقدمت الجيوش النازية الألمانية واحتلت فرنسا في أيام معدودة، وظلت بريطانيا تواجه القوة النازية الضاربة منفردة. انسحبت قواتها من دنكرك مع بقايا الجيش الفرنسي المنكسر عبر بحر المانش. صبَّ سلاح الجو الألماني نار قنابلِه على لندن وما حولها، وعمَّ الموت والدمار والجوع ربوع بريطانيا. هبط رماد الهزيمة على أرض الإمبراطورية، وعلى رؤوس أهلها، لكن السياسي الداهية ونستون تشرشل، أيقن أنه لا طوق نجاة لبلاده إلا القوة الأميركية، لكن كانت لأميركا حساباتها، فلا دجاجة ولا ديك لها في الحرب الأوروبية. التَّطرف العسكري الياباني قدّم لبريطانيا الهدية الكبرى عندما هاجم الجيش الياباني بيرل هاربر الأميركي، وكانت المرة الأولى التي تُضرب فيها أرضٌ أميركية. دخلت أميركا بكل قوتها الحرب ضد قوات المحور. وهزمت ألمانيا واليابان وإيطاليا، و«رشقت» الولايات المتحدة علمَ سيادتها على العصر الجديد. في 11 سبتمبر (أيلول) سنة 2001، هاجمت طائرات مدنية ناطحات سحاب في نيويورك وقتلت الآلاف، كانت هذه المرة الثانية التي يضرب فيها عدو أميركا في أرضها ومن داخلها. العدو هذه المرة لم يكن أوروبياً أو آسيوياً، كان المهاجمون مسلمين يعيشون داخل أميركا، وجرت صناعتهم في أفغانستان، بيد وعقل كبيرهم أسامة بن لادن زعيم تنظيم «القاعدة» المتطرف. لقد هوتِ الشيوعية آيديولوجيةً ودولاً، وصار الإسلاميون المتطرفون هم الخطر الذي يهدد أميركا. إلى اليوم تتحرك الاستراتيجية الأمنية الأميركية، بين قوسي «بيرل هاربر» و11 سبتمبر 2001، وإيران الآن هي القوسُ الثالث الباهت المتحرك.