الذي يتفاءل بالخير يجده

الذي يتفاءل بالخير يجده

الذي يتفاءل بالخير يجده

 عمان اليوم -

الذي يتفاءل بالخير يجده

فؤاد مطر
بقلم : فؤاد مطر

بات أمراً مألوفاً العدوان الإسرائيلي اليومي على مناطق جنوب لبنان. كما بات أمراً مألوفاً التحليق الجوي لطائرات استطلاع إسرائيلية أحياناً في الليل، ودائماً في معظم ساعات النهار في سماء بيروت.

هكذا تعيش العاصمة اللبنانية التي بلغ الإنهاك بها مداه، ذلك أنه بالإضافة إلى نحو مائتي ألف نازح من الجنوب والضاحية الجنوبية سبق أن ذاقوا مرارة النزح بجانبيه: النزح من بيوت دمرها العدوان الإسرائيلي، والعيش النزحي غير الكريم عموماً لعشرات الألوف من الذي سبق أن نزحوا. ثم هنالك أمواج جديدة وجدت أنفسها تتجه إلى بيروت عدا استثناءات لمقتدرين أمكنهم إيجاد الملاذ الكريم في مناطق جبلية.مع كل عدوان على بلدات جنوبية ينتهي سكانها نازحين، لا يقتصر فقدان المنزل الذي أمضى صاحبه من الشقاء والتوفير نصف العمر لكي يبنيه حجراً حجراً، وإنما عدم القدرة على استئجار شقة تُؤويه وعائلته، نستثني هنا ذوي الاقتدار من المغتربين في دول أفريقية نجحت تجارتهم هنالك فقرروا أن يكون آخر العمر في البلدة التي غادروها وإشادة المبنى المريح الذي يعوضهم العيش فيه شقاء سنوات الاغتراب. وهؤلاء أو في أكثريتهم لم يهنأوا؛ لأن العدوان الإسرائيلي دمر وأحرق ونهب ما جرى تشييده.

لقد غيَّر النزوح شخصية العاصمة بيروت التي كانت جوهرة. امتلأت الأرصفة بالسيارات ودراجات الذين نزحوا، سيارة إلى جانب سيارة، وحولها الدراجات النارية. والكثافة البشرية تزداد يوماً بعد يوم، أو بعد كل عدوان جديد يعقبه بطبيعة الحال نزوح. وأما أرصفة «الأوتستراد» للشاطئ البيروتي فباتت ملاذاً لمقيمين يفترشون الأرض كما تحت الجسور، حيث لا بيوت لهم، كما باتت هنالك أسواق سيَّارة تلبي احتياجات هؤلاء. وأما المرافق والخدمات الصحية فللوضع المأساوي أن يوضح ظروفه.

حتى الآن، يبدو وضْع النزوح من الجنوب إلى بيروت في الدرجة الوسط، لكن استمرار العدوان سيجعل العاصمة عرضة لأوضاع تؤسس لما هو أخطر بكثير، ذلك أن مجتمع النازحين يقترب من حيث المقارنة بمجتمع اللاجئين الفلسطينيين. كما أنه في حال إخلاء الجنوب بنسبة تقترب من الخطر، أن تعيش العاصمة اللبنانية حالات لا قدرة لها على صدِّها، حيث في هذه الحال سنرى الألوف من النازحين وقد وصلت حالة اليأس إلى أعلى درجة.

وبين ليلة وضحاها، أو بين عدوان إسرائيلي وآخر يليه نزوح بعد نزوح، قد ينتهي الأمر بأن هذه المنطقة التجارية المنهكة أصلاً من كثرة ويلات النزوح ستصبح الملاذ لهؤلاء ليس حباً بذلك، وإنما لأن واقع الحال فائض المرارة، وأن الحنين إلى الجنوب يغمر النفوس.

وما هو المؤلم للنفوس النازحة ليس فقط المنزل الذي دمره العدوان الإسرائيلي في وضح النهار ودون أي خشية من موقف دولي، وإنما البساتين والحقول التي كان خضارها وشتول ورودها وخيرات أشجار؛ زيتونها وبرتقالها وموزها، تشكِّل علامة فارقة في المشهد الجنوبي، وأتى العدوان يحرق هذه الحقول وينشر سموم آلته الحربية في ترابها، ما يعني أن عطاءها بعد العودة... هذا في حال كُتب للمجتمع النازح أن يعود، سيشقى الجنوبي من جديد لكي يعيد إلى التربة حيويتها ونقاءها.

الكثير من المحالّ التي كانت مزدهرة في شتى المجالات، ومنها الألبسة وسوق اللوحات الفنية التي باتت من علامات الرقي اللبناني، أُقفلت. كذلك الكثير من المطاعم ومعظم دور السينما. وفي الشوارع التي في جزء منها صناديق القمامة المتراكمة، ثمة ظاهرة لافتة وهي أن هنالك أشخاصاً يبحثون في هذه الصناديق عن بقايا طعام، كما هنالك كثيرون يتكلمون وهم سائرون أو وقوفاً. وهذا عائد إلى تراكم الصدمات النفسية الناشئة في الجزء الأكبر منها من أن العمل غير متوفر، وإذا توفَّر فإن العائد لا يوفر ثمن أدوية ولا احتياجات منزلية. وأما التسول فإنه حاضر صغاراً وكباراً، ومِن النساء والرجال، في معظم شوارع العاصمة.

لن أُثقل عليكم أكثر كي لا تفقدوا الأمل بقيامة بيروت على نحو قيامها بعد احتراب ميليشياتها عام 1975، وكيف أنها بعد بضع سنوات من الإجرام في حقها، وجدت في الحادبة على سائر شقيقاتها المملكة العربية السعودية تنتشلها من وهْدتها، وتنهض بروحية «اتفاق الطائف»، ويكون الجنوب عامراً انسجاماً مع إعادة الحيوية إليها. ولن أُثقل عليك بالقول إن أياماً مضت جعلتْني، كما كثيرين، نجد بيروت كما وجد كبير شعراء العراق الجواهري بغداد من خلال قوله: «أسمع عن بغداد ولا أراها). كما جعلتْني، وأنا مسكون حزناً على الذي تسبب به العدوان الإسرائيلي لمعظم آثار وطننا التاريخي العريق، ولبساتين وحقول خير الثمار فيه من أقصى الجنوب إلى بقاعه وسهول بعلبك وبلداتها التي تغني خيراتها عن الجوع. أستحضر قول الكبير العراقي الآخر شعراً، السيَّاب: «وكل عام حين يعشب الثرى نجوع... ما مر عام والعراق ليس فيه جوع».

لكن ما زلنا نتفاءل بالخير؛ لأن المؤمن الذي يتفاءل بالخير يجده.

omantoday

GMT 23:08 2026 الخميس ,03 أيلول / سبتمبر

العودة بالشيء إلى أصله في المنطقة

GMT 08:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 03:30 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

لا يريدون

GMT 11:30 2026 السبت ,18 تموز / يوليو

المحيط الهادئ ومستقبل النظام العالمي

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الذي يتفاءل بالخير يجده الذي يتفاءل بالخير يجده



إطلالات وردية ملهمة من فالنتينو تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

باريس - عُمان اليوم

GMT 13:22 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

الأخضر الزيتوني يمنح منزلك الدافئ عمقاً وثراءً
 عمان اليوم - الأخضر الزيتوني يمنح منزلك الدافئ عمقاً وثراءً

GMT 15:39 2026 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

روبيو يؤكد التزام واشنطن بتعزيز قوة الناتو ودعم حلفائها
 عمان اليوم - روبيو يؤكد التزام واشنطن بتعزيز قوة الناتو ودعم حلفائها

GMT 16:15 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 04:06 2020 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الأضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 19:31 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 17:07 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك وانطلاقة مميزة

GMT 04:59 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الحوت الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 04:32 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العذراء الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 04:56 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الدلو الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 21:12 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 04:18 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم الاثنين 2 نوفمبر / تشرين الثاني لبرج الجوزاء

GMT 16:24 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 05:13 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 21:21 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

شؤونك المالية والمادية تسير بشكل حسن

GMT 09:26 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج العقرب

GMT 09:50 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الدلو

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 09:32 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج القوس
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon