الوعي المتقطع بإشارات الأرض

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

 عمان اليوم -

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

د. آمال موسى
بقلم - د. آمال موسى

هناك قضايا تقوم خطة معالجتها على بناء وعي فردي ذاتي قوي مثل مسألة الإقلاع عن التدخين، والاعتماد في عملية الإقناع على خطورته الصحيّة على صحة الفرد. غير أن القضايا ذات الصلة بالحياة في كوكب الأرض مشروطة بوعي العالم بأسره، وبمدى تفعيل ذلك الوعي في شكل خطة وقرارات وتضافر جهود دوليّة.

ومَن يتعمق قليلاً في فحوى هذا الشرط، فإنَّه سيفهم السرَّ بيسر لأنَّ قضيتَي تغيُّرات المناخ وتأثير هذه التغيرات لا تمسان رقعةً واحدةً على كوكب الأرض دون سواها، ولا تشملان شعباً دون آخر، بل تمسان الحياة في كوكب الأرض وتنزلان العقاب بمَن قاموا بالأنشطة المتسببة في تغيُّر المناخ، وبضحايا تلك الأنشطة الذين لا صلة لهم بالأنشطة ذات التأثير على صحة الأرض وعافيتها.

يصادف اليوم تاريخ حدث دولي يتمثَّل في «اليوم العالمي للبيئة»، الذي يحمل دعوةً مُجدَّدةً للعمل المناخي رغم كل الإخفاق الذي يشهده العالم بسبب عدم الإيفاء بتعهداته من تاريخ اتفاق باريس 2015 إلى اليوم.

وكما نعلم، فإنَّ هذا الاتفاق يمثل أول اتفاق قانوني وقّعت عليه 200 دولة، وتم التعهد بالقيام بخطط وطنية كل 5 سنوات، والتركيز على الحياد الكربوني، وبناء مدن آيكولوجية، وتمويل كل الخطط التي تقلل من تأثيرات الأنشطة التي أدت إلى تغيُّر المناخ المتمثل - أي التغير - في ارتفاع درجات الحرارة وازدياد الحرائق والعواصف والفيضانات.

نحن نتحدث عن اتفاق يعود إلى 11 عاماً، وواقعياً أثبت علماء المناخ أن العقد الأخير هو أكثر السنوات حرارة، إضافة إلى أن الالتزام بخفض الانبعاثات الدفينة ظلَّ هدفاً دون إرادة فعلية.

ما يُلاحَظ أنَّ هناك خطاباً حول المناخ في العالم. بل إن غالبية الدول قامت بخطة وطنية لتغيرات المناخ. وهناك جهود وميزانيات خصصتها بعض الدول لما يسمى الاقتصاد الأخضر والأزرق، ومقاطعة استعمال البلاستيك... ولكن هذه الجهود قليلة وغير عامة، ووتيرة التراكم في الغالب بطيئة رغم أننا أمام قضية ترتبط لا بجودة الحياة فحسب، بل بالحياة ذاتها، الأمر الذي يجعل منها ضرورة الضرورات وليست ترفاً.

إذن، الوعي موجود، ولكن المشكلة في التجسيد الفعلي والعملي لهذا الوعي. أي إننا أمام فجوة بين الوعي والسلوك على مستوى عالمي، رغم أن المخاطر عالية: لو ظلت هذه الفجوة مستمرة فإنَّ الجفاف سيؤثر على 3 أرباع السكان بعد رُبع قرن. كما سيرتفع التعرُّض لتلوث الهواء بما يتجاوز الحدود المأمونة بنسبة 50 في المائة.

لا يوجد نقص في المعلومات. والمخاطر محدّدة بدقة متناهية. ولكن المفقود هو التعاطي مع تغيُّرات المناخ بإعلان حالة طوارئ عالمية، وجعل هذا الملف الحيوي الجاد أولوية دائمة، لا أولوية مؤجلة.

لا شك في أنَّ العقد الأخير لم يكن سهلاً، ويكفي تداعيات جائحة «كوفيد»، التي استأثرت بالانتباه والميزانيات، ومخلفاتها الاقتصادية وحتى الصحية التي لا تزال إلى اليوم. كذلك التوترات الحاصلة في بقاع عدّة في الخريطة العالمية تسهم في تعميق رداءة الوضع البيئي، إضافة إلى استنزاف الخسائر والتداعيات؛ مما يجعل ملف تغيُّرات المناخ واستحقاقاته في أسفل قائمة الأولويات.

ماذا ينفع وضع خطط وطنية لمعالجة تأثيرات تغيُّر المناخ دون توفير ميزانية لذلك؟

طبعاً المصاريف الطارئة للدول - التي مجملها بسبب توترات دولية - تؤدي بدورها إلى ارتفاع أسعار الحبوب والطاقة، وهي مصدر استنزاف وتحويل وجهة الاعتمادات من مسار التنمية المستدامة والعمل المناخي إلى مواجهة الحاجيات اليومية للشعوب والمصاريف الطارئة التي لم يُحسَب لها حساب، ولا قدرة للدولة على مجابهتها من دون التضحية بالتمويلات المخصصة للملفات الاستراتيجية التنموية.

نعتقد أنَّ هذه النقطة هي مربط الفرس، باعتبار أنه ليس فقط هناك تنصلٌ من الدول التي تعهَّدت في قمم متتالية بتمويل تغيُّرات المناخ ودعم الدول الضحية في عملية التصدِّي المكلفة والصعبة اجتماعياً، بل إننا في وضع آخر مفاده أن حتى الدول التي تريد أن تعول على نفسها في هذا الملف تجد نفسها مشوشة بمجابهة تداعيات عدم الاستقرار الدولي.

يبدو لنا أن الدعوة إلى العمل المناخي من الخطأ أن يتم التسويق لها بوصفها دعوةً مستقلةً وملفاً خاصاً، بل إن المقاربة الأكثر جدوى والعملية أكثر تتحقق بربط تأثيرات تغيُّر المناخ على الصحة، والزراعة، والاقتصاد، ونسبة النمو، والميزان التجاري، والفقر، والبطالة، والأسرة، والعنف بشتى أنواعه. ذلك أن تأثيرات تغيرات المناخ ليست بيئية فقط بقدر ما هي اقتصادية واجتماعية.

ومن منطلق الطابع المركب لأي دعوة تخص العمل المناخي، فهي آلياً تشترط إرادة سياسية دوليّة. وفي مثل هذا اليوم قد يكون من الأجدى الدعوة إلى: ليكن العمل المناخي أولويةً عالميةً من أجل تدارك البطء الحاصل في الوعود التي قطعتها 200 دولة في اجتماع باريس التاريخي 2015.

هل يمكن التأجيل أكثر، والحال أن الأرض تحتاج إلى الإسعاف والعلاج؟

omantoday

GMT 03:47 2026 الأحد ,21 حزيران / يونيو

تخصيب «حزب الله» وتسمينه

GMT 03:39 2026 الأحد ,21 حزيران / يونيو

أوان ما بعد العالم الذي عرفناه

GMT 02:13 2026 الجمعة ,19 حزيران / يونيو

تفاهم... أم هدنة أميركية واستراحة إيرانية؟

GMT 16:58 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب

GMT 05:49 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الوعي المتقطع بإشارات الأرض الوعي المتقطع بإشارات الأرض



هيفاء وهبي بإطلالات رياضية أنثوية تجمع بين الراحة والفخامة

بيروت - عُمان اليوم

GMT 19:34 2020 الخميس ,28 أيار / مايو

حاذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon