حين يتحول الراعي إلى وسيط

حين يتحول الراعي إلى وسيط

حين يتحول الراعي إلى وسيط

 عمان اليوم -

حين يتحول الراعي إلى وسيط

سام منسى
بقلم - سام منسى

تتجاوز الاعتداءات الحوثية على المطارات السعودية واستهداف قاعات المسافرين الرسائلَ السياسية إلى تعريض المدنيين للخطر وضرب الأمن والحركة الاقتصادية. ويضع هذا التصعيد الذي تنفذه جماعة مسلحة خارجة عن الدولة المنطقة أمام سؤال يتخطى مجرد وقف الهجمات: هل يمكن معالجته باعتباره مواجهة بين السعودية والحوثيين وحدهم، مع تجاهل دور إيران في بناء قدرات الجماعة وتوفير مقومات اعتداءاتها؟

يصعب اعتبار هذه الاعتداءات صناعة إرهابية حوثية معزولة عن سياقها الإقليمي. فقد وثق خبراء الأمم المتحدة دور «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» وخبراء عراقيين في تطوير قدرات الحوثيين، ونقلهم من جماعة محدودة الإمكانات إلى قوة تنفذ عمليات عابرة للحدود. ولا يثبت هذا الدعم تلقائياً أن طهران أمرت بكل هجوم، لكنَّه يجعل تجاهل دورها في توفير مقومات هذه الاعتداءات اختزالاً مضللاً للمشكلة.

تكمن الإشكالية في كيفية توزيع المسؤولية بين المنفذ والراعي، وما يترتب على ذلك سياسياً. فمصالح الحوثيين المحلية وهامش استقلال قرارهم لا يلغيان ارتباطهم بشبكة توفر السلاح والخبرة والتنسيق، كما أن هذا الارتباط لا يعفيهم من مسؤولية أعمالهم. المطلوب مساءلة الطرفين بحسب دورهما، بدل استخدام استقلالية القرار المفترضة لإبعاد المسؤولية عن الراعي. فالمسؤولية عن تنفيذ الهجوم تختلف عن مسؤولية توفير مقوماته، لكن اختلافهما لا يبرر إسقاط إحداهما من الحساب السياسي.

اختارت السعودية الدبلوماسية لتقليل مخاطر الصراع مع إيران، وتجسد خيارها في اتفاق عام 2023 برعاية الصين، الذي تضمن احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لكن اعتداءات جماعة مسلحة مدعومة من طهران تختبر صدقية هذه الالتزامات. فاستعادة العلاقات تفقد جانباً من جدواها إذا استمر الضغط المسلح عبر أطراف تدعمها إيران، دون مساءلة عن التناقض بين التهدئة المعلنة واستمرار التهديد.

يعكس ضبط النفس السعودي الحرصَ على حماية السكان والمنشآت والاستثمارات وخطط التنمية وتجنب توسيع الحرب. غير أنَّ نجاح هذا النهج يتطلب شركاء يربطون التهدئة بمعالجة أدوات التصعيد وشبكات إسنادها.

في هذه الأثناء تطالب واشنطن بمواءمة أهدافها تجاه إيران مع التزاماتها لشركائها وموقفها من السلاح خارج الدولة. فإذا غلب السعي إلى إنجاز سريع للتسويق السياسي، فقد تقتصر التهدئة على تجميد المواجهة مع بقاء أسبابها وأدواتها. وتنطوي التسويات المحدودة على خطر ترسيخ موقع الجماعات المسلحة بوصفها أطرافاً تعطل الأمن ثم تُفاوَض على استعادته. عندها يصبح التصعيد مصدراً للمكاسب ويصعب بناء سلطة تحتكر قرار الحرب والسلم. ويتجاوز هذا الخطر اليمن إلى لبنان والعراق وربما فلسطين، حيث يتطلب الاستقرار إخضاع السلاح والقرار الأمني لمؤسسات الدولة. وقد تتيح هذه التسويات لتلك القوى استعادة نفوذ أضعفته الحرب بعد «طوفان الأقصى»، عبر اعتراف سياسي يعوض بعض خسائرها العسكرية ويثبت موقعها في الترتيبات المقبلة.

أما المفارقة الأشد دلالة، فهي عرض إيران تسهيل الحوار بين المملكة والحوثيين. فهو يتيح لطهران الانتقال إلى موقع الوسيط دون الإجابة عن دورها في بناء قوة الجماعة. وقد تفيد الوساطة إذا اقترنت بالتزامات قابلة للتحقق لوقف الإسناد العسكري ومنع تجدد الهجمات، لكنها قد تمنح الراعي نفوذاً إضافياً إذا أتاحت له إدارة تسوية أزمة أسهم دعمه للجماعة في تأجيجها.

فالسؤال هو ما الذي يعالجه الحوار والمفاوضات، ومن يضمن نتائجهما؟ فتسوية تفصل الاعتداءات عن مصادر تمكينها قد تحقق هدنة لكنها تترك الأمن رهينة الضغط والمقايضة. أما السلام المستدام، فيتطلب حماية المدنيين ومساءلة المنفذين والداعمين ووقف تدفق أدوات الاعتداء وتسوية يمنية تعيد القرار إلى مؤسسات الدولة وتحفظ حقوق كل اليمنيين. كما يتطلب إشراك الدول المتضررة في تحديد الضمانات، حتى لا تُرسم حدود أمنها باتفاقات تعقدها أطراف أخرى وفق أولوياتها الخاصة. وبهذه الشروط، يمكن للحوار معالجة أسباب الأزمة، بدل منح من أسهم في صنعها حق إدارة نهايتها.

المعيار الحاسم هو أن تؤدي التسوية إلى تقليص القدرة على الابتزاز، وأن تمنع إعادة استخدام الجماعات المسلحة كلما تعثرت المفاوضات أو تبدلت المصالح.

omantoday

GMT 23:37 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مصر والسعودية وترميم الخطوط الحمر

GMT 23:36 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

كآبة

GMT 23:35 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مِنْ أعْمَاقِ الصَّحرَاءِ خَرَجَتْ لَآلئُ اللُّغة

GMT 23:34 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

ماذا قُلنا للسيد لافروف؟

GMT 23:32 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

دور مصري إقليمي جديد؟

GMT 23:31 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

الانتخابات وحدود التغيير في إسرائيل

GMT 23:30 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

أوكرانيا والتحولات الدولية

GMT 23:27 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

تمثيل والله العظيم... تمثيل

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين يتحول الراعي إلى وسيط حين يتحول الراعي إلى وسيط



الأسود يحافظ على مكانته والفخامة ترافق الحاضرات في الجونة

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 22:47 2026 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

خبير تغذية يكشف سر الأكل الصحي البسيط وقواعده المستدامة
 عمان اليوم - خبير تغذية يكشف سر الأكل الصحي البسيط وقواعده المستدامة

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 13:59 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وفاة نجمة هوليوود إيفا ماري سانت عن 102 عام

GMT 12:52 2019 الأربعاء ,20 آذار/ مارس

قرار المحكمة الصهيونية مخالف للقانون الدولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon