ليس أصعبَ ما في الحوار السوداني أن تُعلن الدعوة إليه، ولا أن تُفتح قاعته، وإنما أن تقنع السودانيين، في ظل الانقسامات العميقة التي فاقمتها الحرب، بأن الجلوس حول طاولة واحدة يمكن أن يقود إلى نتيجة مختلفة عما انتهت إليه حوارات سابقة.
من هنا تبدو الخطوة التي أعلنتها لجنة تهيئة الحوار السوداني - السوداني، قبل يومين، بالانتقال من المرحلة التحضيرية إلى المشاورات الواسعة مع الأحزاب والكتل والقوى السياسية، أكثر أهمية من مجرد انتقال إجرائي. فالمرحلة الأكثر حساسية بدأت الآن.
خلال الأسابيع الأربعة الماضية، منذ الإعلان عن اللجنة ومبادرتها، لم تكن المهمة سهلة أو ساكنة. فمرحلة التأسيس تنطوي دائماً على كثير من العمل التنظيمي غير المرئي، لكنه ضروري لانطلاق أي عملية سياسية جادة. ومع ذلك، قطعت اللجنة شوطاً في الاتصالات مع القوى المجتمعية، والتقت مئات من القيادات القبلية والدينية، كما جرت اتصالات مع أطراف خارجية بما في ذلك لقاء مع «الخماسية» الدولية ومبعوثين وسفراء من دول أوروبية. وكانت هناك أيضاً اتصالات تمهيدية مع أطراف سياسية.
لكن المرحلة الأكثر تعقيداً تنطلق الآن، لأن الحوار مع القوى السياسية يرتبط بحسابات ومواقف متباينة، في ظل الانقسام العميق الذي يعيشه السودان.
وتكتسب هذه المشاورات أهميتها من اعتبارات عدة. أولها توسيع قاعدة المشاركة، بحيث تشمل الاتصالات الأحزاب والتحالفات والكتل ومزيداً من المكونات المجتمعية، بما في ذلك القوى الرافضة للحوار. فالحوار الذي يسعى إلى معالجة أزمة وطنية واسعة لا يمكن أن يبدأ باستبعاد المختلفين معه.
وثانيها بناء الثقة، فاللقاءات المباشرة تتيح للجنة الاستماع إلى الأطراف والإجابة على تساؤلاتها، بما يساعد في تقليل سوء الفهم والشكوك بشأن الحوار. كما تتيح تحديد نقاط الاتفاق والخلاف، ومعرفة القضايا التي يمكن أن تشكل أرضية مشتركة، وتلك التي تحتاج إلى تفاوض أوسع.
وثالثها تهيئة الأطراف للمشاركة... فنجاح الحوار لا يتحقق بمجرد توجيه الدعوات، وإنما يحتاج إلى استعداد سياسي للجلوس مع الآخرين، حتى عندما تكون المسافات بينهم واسعة.
ومن خلال هذه المشاورات يمكن أيضاً بلورة أجندة واقعية تستند إلى القضايا التي تطرحها القوى السياسية والمجتمعية نفسها. وهذا مهم لتجنب تحول الحوار إلى مجرد إجراء شكلي، ولضمان أن يكون عملية سياسية ومجتمعية، يمكن أن تنتج عنها تفاهمات قابلة للتنفيذ.
هنا تحديداً يمكن توقع طرح كثير من الأسئلة مثل، كيف يمكن ضمان ألا يتحول الحوار إلى مجرد عملية لإضفاء الشرعية على أمر واقع؟
هذا سؤال مشروع، خصوصاً في بلد أنهكته الصراعات السياسية والحروب، وتعددت فيه المبادرات والاتفاقات التي لم تستطع دائماً أن تنقل البلاد إلى واقع مختلف.
الإجابة التي تطرحها اللجنة هي أن مهمتها ليست منح الشرعية لأي طرف، وإنما تهيئة منصة يستطيع السودانيون من خلالها مناقشة مستقبل بلدهم. والشرعية السياسية النهائية، وفق هذا التصور، لا تمنحها لجنة التهيئة، وإنما تنتج عن توافق سوداني وإجراءات سياسية متفق عليها.
سؤال آخر: من يحدد أجندة الحوار؟
موقف لجنة التهيئة هو أنها لا تملك ولا تسعى لفرض أجندة جاهزة، بل تسعى للاستماع إلى الأطراف المختلفة وجمع مقترحاتها. ويمكن أن تكشف المشاورات القضايا التي يوجد حولها قدر من التوافق، كما تكشف الملفات الأكثر خلافاً، وتتيح بالتالي للمتحاورين بناء أجندة تسهل عملهم.
وفي النهاية، ينبغي أن يكون اعتماد الأجندة النهائية مهمة الأطراف المشاركة نفسها، عبر الاجتماعات التحضيرية للحوار.
أما الشروط المسبقة للمشاركة، فهي اختبار آخر. بعض هذه الشروط قد يتعلق بضمانات ضرورية لبناء الثقة وتوفير بيئة مناسبة للمشاركة، وهذه يمكن مناقشتها والعمل على تذليلها. لكن تحويل كل مطلب سياسي إلى شرط لدخول الحوار قد يؤدي عملياً إلى إفراغ فكرة الحوار من مضمونها؛ إذ إن القضايا المختلف عليها هي، في الأصل، ما يفترض أن يناقشه المتحاورون.
والأهم أن الحوار لا ينبغي أن يُختزل في القوى السياسية وحدها. فالحرب والأزمة السودانية لم تصيبا النخب السياسية فقط، وإنما طالتا المجتمع بأسره. ولذلك، فإن أي حوار يريد أن يضع أساساً لمستقبل مختلف، يحتاج إلى أن يكون أوسع من حوار مغلق بين السياسيين، وأكثر اتصالاً بالمكونات الاجتماعية التي تتحمل تكلفة الصراع وتنتظر نهايته.
نجاح مرحلة المشاورات، إذن، لا يعني الوصول إلى اتفاق سياسي مسبق، وإنما خلق الحد الأدنى من الثقة والقبول والشمول الذي يجعل الحوار ممكناً. كما أن النجاح لا يعني غياب الخلاف، بل القدرة على إدارة الخلاف داخل عملية سياسية مفتوحة.
السودان لا يحتاج إلى حوار جديد بالاسم فقط، وإنما إلى حوار مختلف في طبيعته، واسع في مشاركته، واضح في قواعده، قادر على تحويل التباين من سبب لاستمرار الصراع إلى مدخل لتوافق سياسي يضع البلاد على طريق السلام والاستقرار والديمقراطية.