بقلم - فهد سليمان الشقيران
درَج الباحث الدكتور رشيد الخيّون مع جيلٍ عاصر ظروفاً فكريّة متصارعة. تصدّعت السبل، واختار المفكّر العراقي الجاد رشيد الخيّون درب البحث. أثمر ذلك سيلاً من الكتب والأبحاث والتحقيقات الحيويّة.
هذا التعليق على مشروع الخيّون يأتي ضمن ما كتبه الأستاذ مشاري الذايدي في هذه الجريدة قبل أيام في مقالته بعنوان: «العراق بين وزرائه وأمرائه»، حول العراق وصراعاته، ولكن مما ذكره عن الخيّون قوله: «من الالتقاطات الموجعة المضحكة في آنٍ واحد ما لاحظه الباحث العراقي الفذ الدكتور رشيد الخيون حول تعيين علي الزيدي رئيساً للحكومة العراقية بعد مخاض «الإطار التنسيقي» وهو عنوان السلطة الشيعية الإسلاموية بالعراق. الدكتور الخيون -وهو الخبير بتراث العراق وتاريخه كما غيره من البلدان- تذكّر كتاب «إنباء الأمراء في أنباء الوزراء»، لمصنّفه شمس الدِّين بن طولون (952هـ)، عاقداً مقارنة بين منصب «الوزير» في القاموس العباسي العراقي وهو ما يقابل منصب «الصدر الأعظم» في القاموس العثماني، والوزير الأول في القاموس المغاربي... مع منصب رئيس الوزراء اليوم في عراق أحزاب الدعوة، والمجلس، وبدر، وغيرها، وميليشيات العصائب، والنجباء... إلخ».
بقي الخيّون مدافعاً عن العراق الذي يحلم به، وحين تُدقق في مشروعه فإنه نابع من أحلامه الكبرى التي تمنّاها لوطنه الذي طالما دافع عن أصالته وثقافته، حيث ألّف كتباً ضد الطائفية والتطرف والكراهية وموسوعة حول الأديان والمذاهب.
والحق أن التفوّق في مشروع رشيد الخيّون مرده إلى ميزتين؛ الأولى: تنوّع المجالات التي طرقها في كتبه، في البداية كان الاهتمام الفلسفي بحكم تخصصه الأكاديمي، ولكنه لاحقاً اتجه نحو الطرح النقدي لمجالاتٍ إنسانية، ويتّجه دائماً نحو التراث عموماً، وينطلق من التاريخ خصوصاً مع الأخذ في الاعتبار المجال الفلسفي، خصوصاً في دراساته حول الأديان والمذاهب الإسلامية، الأمر الذي جعل مشروعه يتخذ طابعه الخاص. الثاني: الأسلوب العلمي المتاح، فهو لا يتقعّر كثيراً في العبارة، ولا يطيل كثيراً في المفهوم، وهذا مردّه إلى تأثّره بالجاحظ بكتبه التي تشبه الحديقة إذ ينقلك من فنٍ إلى آخر، وبطريقةٍ لم يسبقه إليها أحد.
عن علاقته بالفلسفة، يقول الخيون: «كان تخصصي الفلسفة الإسلامية، والدقيق منه المعتزلة بوصفها فرقةً كلاميةً فتحت الطريق إلى فلسفة إسلامية، ولا يمكن دراسة الفلسفة الإسلامية، والبحث فيها من دون دراسة التاريخ، فقبل الشروع في دراسة تاريخ الفلسفة، لا بد من الشروع في قراءة التاريخ العام، ومن هذه القراءة تعلقتُ بالتاريخ السياسي والاجتماعي الإسلامي القديم والوسيط، أما في تاريخ الفكر فعلم الكلام والفلسفة يشكلان التاريخ الفكري تماماً». عدا عن مجال البحث في العلوم الإنسانية عند الخيون، فهو ناقد قديم وصارم لجماعات العنف والإسلام السياسي كله، وقد عملنا معاً في هذا المجال طوال سنوات ووجدتُ فيه الدقّة والصرامة، وضرب الحجج المطروحة من قِبَل المتطرفين بنقودٍ تنسفها، وهذا الهم يؤرّقه بحكم تجربة بلده العراق مع الأصوليين طوال عقود.
يقول الخيّون: «ما أكدته التجارب، في إيران والسودان والعراق واليمن، وتاريخ (الإخوان المسلمين) نفسه خصوصاً، والإسلام السياسي عموماً، يوضح أن هذه الجماعات لا تريد دولة وطنية، بل تعتبرها دولة مارقة على الخلافة ودعوتها هدم الدولة الوطنية، لأن الحدود عندهم دينية ومذهبية، لا حدود جغرافية، إنما جغرافية الدين والمذهب، عابرة للأوطان، من هذا المنطلق، لا يمكن الإسلام السياسي أن يبني دولة وطنية، والتجارب كثيرة».
الخلاصة؛ إن تجربة الخيّون تعبّر عن أجيالٍ عانت وصارعت وخُدِعت، لذلك لم يتّجه نحو الآيديولوجيا والشعارات، بل اختار الورقة والقلم والكتاب لمواجهة طوفان الجهل والعنف ومحاولة اختطاف المجتمعات، لذلك فإن مشروعه قريبٌ من الناس، لأن الناس ملّت من الطائفية والتناحر والكراهية، كما كرهت جموع الأصوليين ومشاريعهم التدميرية، ومن المبهج أن يقبل الجيل الفتيّ على كتبٍ علميّة جادة مثل كتب الدكتور رشيد الخيون كما نرى في معارض الكتب في شتى العواصم العربية.