بقلم - حنا صالح
كل يوم يمر يتجلَّى معه عمق المأزق الذي يمر به لبنان. إسرائيل تقضم الأرض بعد اقتلاع كامل أهلها وتهجيرهم، وإيران بـ«فيلق القدس» تعبث بالبلد، ومتمسكة بقضم القرار اللبناني.
لقد وضعت الحرب الإسرائيلية- الإيرانية على البلد كل المواطنين تحت وطأة أقسى عقاب جماعي. مكَّنت إسرائيل من ترميد منطقة واسعة، وإعادة الاحتلال الذي امتد من البحر غرباً إلى جبل الشيخ شرقاً، مع اتصالٍ بالجنوب السوري المحتل، في سياق الاستراتيجية العدوانية لإسرائيل باعتماد مخطط «الدفاع المتقدم»، في عمق الأراضي اللبنانية، مستبيحاً كل شمال الليطاني حتى السلسلة الشرقية وآخر تلال الهرمل.
توازياً، طوى نظام الملالي عنوان «المقاومة» بعدما ابتذل دورها في الإقليم والحروب من لبنان كوكيل عنه. وتحول «حزب الله» من لحظة إطلاقه صواريخه، إلى ورقة محروقة، لا مكانة له خارج السقف الإيراني، بدليل غياب الحرج عن محمد باقر قاليباف وهو يصف هذه الحرب بأنها لـ«الدفاع عن إيران» (...) ولوهلة بدا أن من «حقوق» نظام الملالي استخدام لبنان كساحة لمشاريعه، ولو بلغ الثمن مسح 61 بلدة جنوبية عن الخريطة، وتهجير مليونين، يعلن العدو الإسرائيلي أنه لا عودة لهؤلاء وهم أهل الأرض وروحها.
هذا المشهد المروّع هو ما حدا بالسلطة (رئاسة جمهورية وحكومة) إلى المبادرة بإعلان خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، لوقف الهزيمة عند الحدود التي بلغتها، وللمطالبة بانسحاب المحتل بعد وقف اعتداءاته على لبنان. في مثل هذا الوضع، لا يُعدُّ التفاوض جريمة؛ بل الجريمة هي في الاحتلال المتآتي عن خيارات كارثية مدمرة اعتمدها «حزب الله» في انصياعه لمخططات مشغليه في طهران، لا يملك لبنان التأثير على قرارها. وأرفقت السلطة هذه المبادرة بإعلانها قرار حظر النشاط العسكري والأمني «لـ«حزب الله»، وقرار إبعاد عناصر لـ«الحرس الثوري»، وهم الجهة المسؤولة عن «الاعتداء على قبرص، ويديرون العمليات العسكرية»، وفق رئيس الحكومة نواف سلام، الذي كشف أنهم حازوا جوازات سفر مزورة، ووجودهم في لبنان غير شرعي. بهذا السياق، بات وجود «الحرس الثوري» ومن ضمنه فيلقه اللبناني: «الحزب»، اعتداءً إيرانياً على لبنان.
أيام الهدنة الهشة، وكذلك جولتا المفاوضات التمهيدية التي قدمت مشهدية استثنائية، وكأن القضية اللبنانية بين أولويات الرئيس ترمب، معطوفة على كسر بيروت «تابو» المفاوضات المباشرة، قد لا تفضي إلى تحقيق مطالب الدولة اللبنانية. صحيح أن عملية التفاوض باتت مفصولة عن الملف الإيراني، ولكن الواقع على الأرض مغاير. بوسع «حزب الله» بعد تسمينه بمجموعات من «فيلق القدس»، إطلاق مزيد من الصواريخ باتجاه المواقع التي استحدثها العدو الإسرائيلي في الجنوب المحتل. كما أن الشباب المتروكين بين ركام البيوت، وبينهم فتية أعمارهم بين 14 و16 سنة، وقد قُطعت سُبل التراجع أمامهم، سيقاتلون حتى آخر نفس، ما سيسرع عداد الموت ويفاقم الدمار، ويعزز تمسك العدو الإسرائيلي بإدامة الاحتلال، ليبرز التخادم، فيمنح الاحتلال المشروعية للسلاح غير الشرعي، والعكس بالعكس، فتزداد خسائر لبنان والأثمان المطالَب بها!
وسط هذه اللوحة، يقدم لبنان خطوة أكبر مع إعلان الرئيس جوزيف عون النية «لاعتماد أي وسيلة كفيلة بإنهاء الحرب والدمار». وكشف أن مسار التفاوض المطروح ينطلق من «مبدأ إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل». ولكن سيطرة حالة من التوتر وإطلاق التهم وتخوين السلطة لم تساعد لبنان في بلورة ما يخدم المصلحة الوطنية، لتسود حالة مقلقة بين جهات مستعجلة روَّجت فوراً لما سمَّته «سلام الجنوب»، واستفظعت تحفُّظ الرئاسة على مصافحة تجمع بين عون ونتنياهو، والأرض محتلة والإبادة لم تتوقف، وجهات أخرى تقول بالتفاوض غير المباشر، وتعلن أنَّ السقف يكون بالعودة إلى «اتفاق الهدنة» عام 1949.
هنا يجدر الانتباه إلى أنه بينما يروَّج لـ«السلام» من جهة، ومن جهة أخرى طرح إحياء «اتفاق الهدنة»، ينبغي للبنان أمام استحقاقٍ بمثل هذا الثقل وهذه الدقة، أن يبلور صيغاً وسطية، كـ«اتفاق هدنة بلَس»؛ لأنَّ الزمن تجاوز كل طرح يقول بأن يقتصر الأمر على وقف الأعمال العدائية، الذي كان محورياً آنذاك، استناداً إلى قرار مجلس الأمن الذي صدر تحت الفصل السابع. كان ذلك منطلق «اتفاق الهدنة»، ولكنَّه في الوقت نفسه حمل اعترافاً إسرائيلياً بتاريخية حدود لبنان كما تم تثبيتها في عصبة الأمم المتحدة عام 1924... نهج قد يضمن له مزيداً من التمايز الإيجابي بالموقف الأميركي حيال لبنان، ومزيداً من دعم الأشقاء والأصدقاء، لا سيما من جانب المملكة العربية السعودية، التي أولت كل الاهتمام للحفاظ على الاستقرار الداخلي.
الذهاب إلى التفاوض وهو قرار سيادي مستند إلى الشرعية الدستورية، ليس نزهة، والطريق إليه ليست وردية، إنما هو حاجة وجودية لم يبقَ للبلد سواها يحتمها التوقف بمسؤولية أمام أهوال ما أوصلتنا إليه الحرب المفروضة، وأهوال ما شاهده الناس الذين تمكَّنوا من زيارة الجنوب كأغراب فهالهم ما رأوا!