لا تحتاج النصوص التي تعكس موازين قوى إلى ملاحق لتفسيرها. ومئات الألوف الذين اقتُلعوا من أرضهم ويعاينون تجريف بلداتهم وإنهاء عمران الجنوب اللبناني لا يملكون ترف الوقت. الأولويةُ التي ينتظرونها من سلطة محّضوها الثقة هي بذلُ كل الممكن لإجلاء الاحتلال الإسرائيلي؛ لأن الثمن الذي دُفع حتى الآن فوق القدرة على الاحتمال.
في النصوص، ورد في مقدمة «اتفاق وقف النار» يوم 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024: «نَزعُ سلاح جميع المجموعات المسلحة في لبنان»، وحصر حمل السلاح في الجهات الشرعية فقط؛ «القوات العسكرية والأمنية الرسمية». وقال «البند السابع» من «الاتفاق» في الفقرة «أ»: «منعُ الدخول غير المصرح به للأسلحة والمعدات... من جميع المعابر الحدودية». وتضمنت الفقرة «ب» أنه «بدءاً من منطقة جنوب الليطاني؛ تُفكَّك جميع المنشآت غير المصرح لها بالمشاركة في إنتاج الأسلحة». وقالت الفقرة «ت» بـ«تفكيك البنى التحتية والمواقع العسكرية ومصادرة الأسلحة». ولإنعاش الذاكرة: تمثلت جهة التفاوض حصراً في رئيس البرلمان، نبيه بري، واشترط الوسيط الأميركي، آموس هوكستين، موافقة مسبقة من «حزب الله»، فأعلنها نعيم قاسم بالصورة والصوت.
شكّل «الاتفاقُ» الذي صَدّقت عليه حكومة نجيب ميقاتي الأجندةَ التي على أساسها قامت السلطة الجديدة: جوزيف عون رئيساً للجمهورية، ونواف سلام رئيساً للحكومة. وللتذكير؛ فقد كانت إسرائيل بعد كارثة «حرب الإسناد الأولى»، تحتل 5 نقاط حدودية حاكمة.
بعد نكبة «إسناد إيران» بدءاً من 2 مارس (آذار) 2026، واحتلال ثلثي الجنوب مباشرة وبالنار، أُقرّ «الاتفاق الإطاري» إثر مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية. كان ذلك في 27 يونيو (حزيران) الماضي، والهدف: «تحقيق سلام وأمن دائمَين»، وطموحُ لبنان وإسرائيل «إنهاءُ النزاع بينهما، ومعالجةُ أسبابه الجذرية، وإنهاءُ أي حالة حرب قائمة بينهما... وضمانُ سيادةِ وأمنِ البلدين، وإقامةُ علاقات حسن جوار».
قال البند الثاني: «يستعيد الجيش اللبناني ممارسة السلطة السيادية الفاعلة على كامل الأراضي اللبنانية، بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية، بما يتيح لقوات الدفاع الإسرائيلية إعادة انتشارها تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية».
بذلك أرسى «الاتفاق الإطاري» الثلاثي معادلة لا فكاك منها: الأرض مقابل السلاح اللاشرعي. طال الوقت أم قصر، تبدلت أولويات «المناطق التجريبية»، ومع جدول زمني أو من دونه، فإن مصيرَ الأرض الخاضعة للاحتلال، واستعادةَ السيادة غير المنقوصة، متلازمان مع مصير السلاح اللاشرعي خارج سلطة الدولة، وكل ما يرتبط به من بنى تحتية عسكرية وأمنية ومالية واجتماعية وتربوية. وما هو جَلِيّ أنه إذا تجددت الحرب، والاحتمال جدي وكبير، فإن المعادلة لن تتغير، لكن النكبة ستتضاعف مع طول زمن الاحتلال.
بعد مراوحةٍ فرضها أداءٌ قاصر، تدرجَ العدو في الشروط؛ من حماية مستوطنات الشمال، إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولي الأمن (...). ولافت أن الأمر الأخير ورد أيضاً في حديث من السفير الأميركي في تل أبيب (...). تتدرج هذه الشروط لتغطية بقاء الاحتلال رغم مزاعم إسرائيل بأن لا أطماع لها في لبنان. توازياً؛ يبرز عجز مطلق عن مراجعة حصاد «المقاومات» والسلاح اللاشرعي في لبنان لدى محور الممانعة؛ من رأسه في طهران، إلى أذرعه، وأبرزها «حزب الله».
لا يمكن لمراجعة عقلانية لحصاد النتائج والوقائع أن تقفز فوق تغيير جارف بعدما فتح «طوفان الأقصى» باب تحولات متسارعة. في لبنان، صار التمسكُ بالسلاح اللاشرعي المبرِّرَ لبقاء الاحتلال و«مصدرَ الخطر على استمرار الكيان». ولأول مرة منذ 41 سنة أدركت «بيئة المقاومة» هذه الحقيقة، وهي تواجه أخطر حالة تفتت. اتسع رفض السلاح اللاشرعي، وطلبت إخراج «المقاومة» وتولِّي الجيش حماية الأرض والمتمسكين بما بقي من عمران. سقطت السرديات مع عجز طهران عن حماية أذرعها، وفشلت الأذرع في حماية إيران.
وسط هذه التحولات، نشر جان عزيز، مستشار رئيس الجمهورية مقالة في موقع «جاست سيكيورِتي» في نيويورك، تحت عنوان: «لا تدَعوا اتفاق السلام في لبنان يثبت أن (حزب الله) كان محقاً»، لُحمتُه وسداه أن «آلية التنفيذ» المتفَق عليها تُضعف الدولة، ليقلب بذلك المنطق الذي وافقت عليه السلطة اللبنانية في «الاتفاق الإطاري»، وقبله في «اتفاق وقف النار». في مقالة المستشار محاولة لإعادة إنتاج المعادلة التي شدد «الاتفاق» على كسرها، وجوهرها أن السلاح يبرر الوجود، وأنه لا نستطيع أن نطلب من جمهور معين تسليم السلاح ما دام الوجود الإسرائيلي باقياً. فيضرب بذلك صدقية القرارات التاريخية لمجلس الوزراء، ويضرب عرض الحائط بما يعيشه ويراه عامة أبناء الجنوب من أن هذا السلاح هو مصدر الخطر الإسرائيلي وبقاء الاحتلال.
إن نزع السلاح ممرٌ إجباري لاستعادةِ الأرض، وبسطِ السيادة، وفتحِ باب إعادة الإعمار، ثم العودة. والخيارات الأخرى منعدمة.
والخطيرُ في طرح المستشار الرئاسي التحذيرُ من مخاطر تنفيذ «الاتفاق الإطاري»؛ مما يمنح العدوَّ الإسرائيلي وواجهةَ «الحرس الثوري» الذرائع: يُبقي الأولُ احتلالَه الآخذ في الاتساع، ويُبقي الثاني على وضعه الخطير بوصفه قوةَ أمر واقع، فتتعطل استعادة الدولة والحلم بنهوض متجدد للبنان.