عودة «القوة الناعمة»

عودة «القوة الناعمة»

عودة «القوة الناعمة»

 عمان اليوم -

عودة «القوة الناعمة»

سوسن الأبطح
بقلم - سوسن الأبطح

لحظة رفع إسرائيل علمها على قلعة الشقيف التاريخية، جنوب لبنان، انتفضت فرنسا، واعترض وزير خارجيتها جان نويل بارو، طالباً عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن، على أساس أن ما حصل تجاوزٌ لكل الحدود. لكن إسرائيل، قبل احتلال القلعة، اغتالت 27 صحافياً، وعشرات المسعفين، وقصفت 17 مستشفى، وهدمت عشرات آلاف الوحدات السكنية، كما قتلت ما يقارب 4 آلاف ضحية، وجرحت ما تجاوز 11 ألفاً، ولم يحرك أحد ساكناً.

صحيح أن القلعة الرومانية وسّعها الصليبيون، وحولوها إلى حصن لهم أثناء وجودهم في المنطقة، لكنه ليس السبب الوحيد لغيرة فرنسا. فقد باتت الأماكن الأثرية أهم من البشر أحياناً، والمواقع التاريخية المدرجة على لوائح «اليونيسكو» محمية أكثر من الأطفال. ربما لأن الإعلام يركز على الرمزي، أو يحاول إيقاظ الضمائر بإلقاء الضوء على قصة بعينها. وهذا ليس بالأمر الرديء، وإن كان مستفزاً.

بعد أن قيل الكثير عن «موت المثقف»، وحياد الفنون، والموسيقى الجامعة ذات اللغة العالمية، يعود «الفنان العضوي» إلى صدارة المعارك السياسية. فبعد أن فقد مواطنون قدرتهم على التغيير بالتصويت في صناديق الاقتراع، يحاولون الآن التعويض عبر الأعمال الفنية والاحتجاجات المدنية.

فقد حوّل غاضبون، مسابقة «يوروفيجن»، إلى تصويت اعتراضي على سلوك إسرائيل الوحشي. انطلق مهرجان الأغنية الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، كأنه عربون وحدة بين أبناء القارة الواحدة. لكن إسرائيل بعد نصف قرن من حشر أنفها في المهرجان، تجد من يسألها على سوء أفعالها. فقد أصبحت سبباً للفرقة والانقسام. انسحبت خمس دول احتجاجاً على السماح لإسرائيل بالمشاركة، في خطوة عكست تصاعد الجدل الأوروبي بشأن توظيف مسابقة فنية في الترويج لحكومة مدانة. انخفضت نسبة مشاهدة المهرجان 35 مليون متفرج أقل من العام الماضي. فبدل أن يغني الأوروبيون معاً، وجدوا أنفسهم بسبب عدوانية إسرائيل يختلفون على معنى هذا الفعل نفسه.

لم يعد الفن حيادياً، كما أن الكلمة العليا ليست للمفكرين والمنظرين على طريقة القرن التاسع عشر، بل للسينمائيين والرسامين والمؤثرين وربما للاعبي كرة القدم.

لن يختلف اثنان على أن الملايين الذين شاهدوا «هند رجب» أياً كانت وجهة نظرهم، لن ينسوا أبداً صرخة الطفلة الغزية البريئة هند، التي وصلت بفضل السينما إلى الكونغرس، وحرّكت مشاعر نواب ما كانوا يعيرون فلسطين اهتماماً. وفي المهرجانات وقف المتفرجون يصفقون نصراً لفلسطين، في دقائق طوال، من مهرجان فينيسيا إلى مسابقة الأوسكار، ودور العرض العالمية.

الحال نفسها تنطبق على فيلم «فلسطين 36». ولا تستخف بهذه الأفلام التسجيلية التي تظن أن من يراها قليلون، فهم في غالبيتهم من الشباب الذين يميلون أصلاً إلى إدانة القسوة والفظاظة، عادّين أن الحياة تستحق أفضل من وحوش يأكلون لحوم إخوتهم البشر. متفرجو هذا الفيلم عرفوا أن بريطانيا هي أستاذة إسرائيل في الإبادة، وأن ما حصل عام 48 من نكبة ليس سوى التتويج الرسمي، لسيل من المجازر والطرد والقتل وحرق البشر الذي مورس منذ ثلاثينات القرن الماضي. حقاً كل عمل فني إنساني يضيء على جانب، لكنك حين تضعها بقرب بعضها بعضاً تحصل على مشهد يدين بقوة ما نحياه مرغمين على مرارته.

ولبنان الذي يتعرض لأشد أنواع العنف والقهر تحت القصف الإسرائيلي، يشهد معرضه حول مدينة «بيبلوس» الذي يقام في «معهد العالم العربي» في باريس، إقبالاً واهتماماً شديدين. بعض القطع الأثرية اللبنانية التي لم تتمكن من الوصول بسبب الحرب، ترك المنظمون أماكنها فارغة داخل صالات العرض، في دليل على تأثير القصف والاعتداء على التراث والثقافة.

ألا ترى أيضاً أن «المتحف المصري الكبير»، منح مصر وجهاً أكثر بريقاً. فالحضارة الفرعونية، أكبر من أن تتجاهلها، لكن وضع آثارها في مكان له صيغة فنية عصرية، في هذا الزمن المتغول بالذات، أعطى الفرعونية بُعداً مختلفاً. وصار زائر مصر قد يغطّ بطائرته فقط ليكتشف جماليات عصر، ربما كان أقل ضلالاً وأوفر حكمة.

ألم يكن انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي شغل الناس، هو بحد ذاته نتيجة انقسام ثقافي بين فئتين أميركيتين، فئة المحافظين الشعبويين الذين يريدون العودة إلى التقاليد المسيحية، وفئة الليبراليين التقدميين الذين يرون أن الحرية هي أساس لكل ما يهوى، من الجنس إلى المسالك الاجتماعية والعائلية.

لعل الصراعات المسلحة الدائرة حالياً، التي لا نهاية لها، وتتحول إلى حروب استنزاف، هي في عمقها ثقافية تتعلق بالرؤية إلى العالم. وكيف يراد للبشرية أن تنتظم؟ أوفق رؤية ليبرالية لا تزال تفصّل الكون على مقاس الأكثر قوة أم تبعاً لمشهد آخر يتشكل يشارك فيه ما يسمى دول الجنوب؟ كل هذا يتموضع ببطء، وكتب عنه منذ مطلع القرن الماضي المؤرخ الألماني أوسفالد شبينغلر، في كتابه «تدهور الحضارة الغربية»، وعلى نسق آخر تحدّث عنه إيمانويل تود قبل سنوات قليلة في كتابه الشهير «هزيمة الغرب»، وكذلك فعل الراحل الجليل إدغار موران. فالثقافة هي صوت الضمير، وهذا تماماً، ما تحتاج إليه الجموع المقهورة.

omantoday

GMT 16:13 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

هاجوج وليموج

GMT 16:11 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

فتوى «النَّووي» الإيراني... الحقيقة العارية

GMT 16:10 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

في طهران شيء ممَّا كان يدور في موسكو

GMT 16:09 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

وقفة على موجة عاصفة

GMT 16:07 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

أوروبا... مظاهرات ويمين متطرف واقتصاد يئن

GMT 21:00 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أعداء الضوء

GMT 20:59 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

العراق يقول: لا حوثي لديّ

GMT 20:57 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب الإيرانية المستمرة على العرب!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عودة «القوة الناعمة» عودة «القوة الناعمة»



إليسا تتألق بصيحة الفساتين بالأكتاف المنسدلة بالتزامن مع عيد ميلادها

بيروت - عُمان اليوم

GMT 11:20 2020 الأحد ,10 أيار / مايو

بريشة : هارون

GMT 08:03 2026 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

16 شوطاً تحسم منافسات سباق الهجن في أدم بمحافظة الداخلية

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 19:02 2025 الأربعاء ,09 إبريل / نيسان

تعزيز جهود تطوير سوق العمل في محافظة ظفار

GMT 12:16 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 19:57 2021 الأربعاء ,29 أيلول / سبتمبر

فوائد الأطعمة السوداء لجسم الانسان
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon