ما قبل تسمم 2022

ما قبل تسمم 2022

ما قبل تسمم 2022

 عمان اليوم -

ما قبل تسمم 2022

سوسن الأبطح
بقلم - سوسن الأبطح

خبر مؤلم انتشر الأسبوع الماضي، يؤكد أن عشرات آلاف الكتب، بعضها نادر، قد لا نستطيع تعويضه أبداً، مُزّقت إلى ورقات، ثم صوّرت ضوئياً، وتم إتلافها إلى الأبد. ناشرون ومكتبات، في أوروبا تلقوا رسائل عرضت عليهم شراء مخزوناتهم من الكتب المكدسة، وأقدموا على بيعها بالفعل، وهم يعرفون مصيرها سلفاً. المشاعر تتراوح بين الراحة من تفريغ المخازن وكسب المال، والأسف على فقدان إرث كان يفترض ألا يهدر. المشترون هم، شركات ذكاء اصطناعي، يهدفون لتدريب نماذجهم على أساليب لغوية، تعود إلى ما قبل التسمم التكنولوجي، أي قبل 2022، لكنّ الثمن باهظ.

فيديو نشره موقع كندي متخصص برقمنة الكتب، أظهر عدداً لا يحصى من الكتب، قطّعت أغلفتها، استعداداً لمسحها ضوئياً، وقد أصبحت غير صالحة للاستخدام.

بائعو كتب بالجملة في أوروبا وأميركا يتحدثون عن طلبات تردهم للحصول على عناوين نفدت، ما يعني أن جلّادي الكتب، بعد أن استنفدوا المتاح من النصوص، باتوا يبحثون عن مخزونات نفيسة لينفذوا فيها حكم الإعدام.

دعوى قضائية رفعت ضد «أنثروبيك» تمت خسارتها، ببساطة لأن الشركات الكبرى تستفيد من الثغرات القانونية، وتخرج بريئة من جريمتها. فأن تشتري كتاباً وأنت صاحبه، لك الحق أن تفعل به ما تشاء، بما في ذلك سرقة محتواه على ما يبدو، وجعله جزءاً من مشروعك الكوني.

خبر آخر، ظاهره مغرٍ وباطنه مفزع. وهو ولادة شركات ناشئة عديدة، يتزايد عددها بسرعة، تعرض علينا قراءة تفاعلية. أي أنك وأنت تقرأ كتاباً وتتوقف عند شخصية فيه، تحار كيف تصنفها، بمقدورك أن تسأل هذا الذكاء المستجد، عن خلفيات الشخصية، أو مقاصدها، حتى رأيه فيها. وكنا قد فرحنا بما تقدمه مواقع ذكية، من شروحات، أو مواجز، ورسومات لمسار القصة، أما وأن الأمر وصل للاجتهادات والتفاسير، فإننا أمام معضلة كبرى. لا بأس أن تسأل عن خلفية تاريخية لحدث، أو تستوضح عن فكرة غامضة، وربما تطلب تذكيرك باسم شخصية، أما وقد دخلت الآلات في عالم التأويل، الذي أرجف القلوب القاسية، فتلك مسألة تستحق التوقف عندها.

المصري أحمد كامل، أطلق منصة «سيناء» التي لقيت صدى عالمياً واسعاً، مع أنها لا تزال تجريبية. وصف صاحبها التعامل مع الكتاب بأنه «أصبح شبيهاً بالتعامل مع كائن حيّ». قبله، في أبريل (نيسان) الماضي تم إطلاق «ماي سمارت بوك» وهي منصة ذات وظيفة مشابهة، ووفرت «أمازون» خدمة «اطرح سؤالاً»، و«أوديبل» للكتب الصوتية صارت تسمح لك أن توقف الاستماع، لتسأل عما تريد.

الإيجابية أنك ستقبل على قراءة ما كنت تجده عسيراً، أو معقد التركيب ومستغلقاً عليك، لكنك في الوقت نفسه، ستتلقى إجابة تلقينية جاهزة، وتحرم من كل الاحتمالات الأخرى الممكنة. فمن يملك الحقيقة المطلقة، ليس الذكاء الاصطناعي بالتأكيد.

وإن كان ما يشغل بال الغالبية، هو حقوق الناشرين والكتّاب، والعوائد التي يفترض أن يحصلوا عليها، فهذا ليس بالأمر العسير الذي يمكنه أن يدمر العقول، وينسف الفكر النقدي عند القارئ حتى قبل أن يبدأ بالتفتح.

القراءة ليست مجرد معلومات تلقن. هي متعة وإحساس، ودخول في أجواء، وتماهٍ مع شخصيات، وتفاعل مع أحداث في الحالة الأدبية. وفي الفلسفة تقرأ وتفتح أمامك سبلاً وآفاقاً كنت تجهلها، ورؤى لم تكن تتخيلها. فهل ينتهي كل ذلك، بأن تسأل جهازك: اختصر لي هذه الرواية بخمسة أسطر؟ أو اشرح لي تلك النظرية في كلمات؟ هل سيبقى للكاتب من حماسة بعد ذلك، ليصبر على شهورٍ وسنوات من الكدّ، ليوصل لنا زبدة أفكاره؟ نموذج صاحبة نوبل للآداب الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك التي أقلعت عن التأليف لأنها لا تريد أن ترى ثمرة جهودها، ومئات الصفحات التي تكتبها بصبر وأناة، مختصرة بعبارات بلا روح، يمكن أن يتكرر بالتأكيد.

المرعب هو قتل التأويل، الذي يعزز التعصب وضيق الأفق. ثمة إجماع على أن النص لا يحمل معنى واحداً جاهزاً، بل كل القارئ بغنى خلفياته يعيد تشكيل المعنى، بعد أن ينتهي دور الكاتب. من شلايرماخر إلى هايدغر وبول ريكور جميعهم كتبوا عن أن النص يعيش حياة أخرى ومعاني متجددة، بفضل قرّائه، وما يفيضون عليه.

ما يطرح علينا اليوم، هو خنق النصوص، وتحكّم سلطة خارجية بفهمنا لها. قد تقول: «ما هذا الفلسفة، ولنا خيار أن نستخدم الآلة لهذا الغرض أو نرفضه؟» وهو ليس صحيحاً. فمن يطلب مساعدة الآلة سيفقد المعنى ويسجن في زاوية ضيقة، ومن لا يقبل بهذه المعونة السحرية، سيبقى يسير ببطء السلحفاة، فيما الآخرون ينطلقون كالصواريخ في فضاءات من دون بوصلة ولا محطة هبوط، فأيهما تختار؟!

omantoday

GMT 16:13 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

هاجوج وليموج

GMT 16:11 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

فتوى «النَّووي» الإيراني... الحقيقة العارية

GMT 16:10 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

في طهران شيء ممَّا كان يدور في موسكو

GMT 16:09 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

وقفة على موجة عاصفة

GMT 16:07 2026 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

أوروبا... مظاهرات ويمين متطرف واقتصاد يئن

GMT 21:00 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أعداء الضوء

GMT 20:59 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

العراق يقول: لا حوثي لديّ

GMT 20:57 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب الإيرانية المستمرة على العرب!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما قبل تسمم 2022 ما قبل تسمم 2022



إليسا تتألق بصيحة الفساتين بالأكتاف المنسدلة بالتزامن مع عيد ميلادها

بيروت - عُمان اليوم

GMT 12:16 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ
 عمان اليوم - موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 11:20 2020 الأحد ,10 أيار / مايو

بريشة : هارون

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon