بقلم - أمينة خيري
الشارع منفصل فى وادٍ غير الأودية التى يعتقد البعض أنه موجود فيها، لا لجحود بما تم ويتم إنجازه، أو لعدم شعور بأن بنود بعينها تحسنت فى تفاصيل حياته من سكن ومواصلات وخدمات صحية وترتيب تموينى لما تبقى من سلع تموينية أكثر منطقية وواقعية من ذى قبل وغيرها، ولكن لفجوة فى ترتيب الأولويات التى يهفو إلى تحقيقها، أو على الأقل معرفة الأسباب التى تجعل بعض الخطط والرؤى الرسمية والحكومية تحدد أولويات غير تلك التى يريدها، أو من يفسر له بشكل منطقى ودون تعالٍ أو توبيخ الأسباب التى تجعل من الأولويات التى تعمل عليها الحكومة «تبدو» مختلفة عن أولوياته، وكيف أن هذا الاختلاف ليس فى الأولويات نفسها، بقدر ما هو فى ترتيب تنفيذها ربما.
الأمر لا يحتاج استطلاعات رأى معمقة تستغرق شهوراً، أو قياس الاتجاهات، وإن كان الأسلوب العلمى لمعرفة الرأى العام، ومدى الرضا أو السخط يظل الأفضل والأكفأ والأكثر مصداقية. وكما أن الاعتماد على ما يذكر ويقال فى القنوات والمنصات والصفحات المعروفة بمواقفها المعادية لمصر والمصريين مضللة فى لقاءات الشارع وآراء الناس ومواقفهم وجميعها موجه لأغراض سياسية نعرفها جميعاً، وهو ما يعنى أن اعتبارها قياساً مقبولاً للرأى العام أمر غير منطقى أو واقعى، فإن اعتبار لقاءات الشارع والآراء التى يتم انتقاؤها بحيث لا تذكر إلا المحاسن، ولا تتحدث إلا عن المكاسب، ولا تتطرق إلا إلى الإنجازات هو أيضاً أمر غير منطقى أو واقعى، ناهيك عن أنه يساهم فى انفصال الشارع أكثر وأكثر.
نظراً لضيق الوقت، وحاجتنا الشديدة لتجسير الهوة، ما علينا سوى الاستماع إلى نبض الشارع دون فلتر تهوين أو مكبر تهويل.
لا ينكر ما تم من إنجازات على مدار سنوات إلا من لا يرغب فى رؤية أى جوانب إيجابية، لكن الضغوط الاقتصادية بالغة الصعوبة تطغى على كل الحواس. والقلق على المستقبل يحول دون رؤية نصف الكوب الممتلئ. والشعور بأن البعض من الإعلاميين يتعامل مع مشكلاته ومعاناته باستهانة أو استخفاف، أو يحاول غصباً إقناعه بأن عليه أن يغير أولوياته ويعدل نمط معاناته ويقوم تفكيره بشكل يتطابق مع ترتيب الأولويات الآخر، يؤدى إلى رد فعل عكسى فى الشارع.
على سبيل المثال، الحادثان المروعان اللذان وقعا (بالإضافة لعشرات الحوادث الأخرى) فى الساعات القليلة الماضية، وهما تصادم «تريلا» وباص نقل ركاب على طريق الغردقة – رأس غارب وراح ضحيته شخصان بالإضافة إلى عشرات الإصابات، والثانى اصطدام ميكروباص بـ«تريلا» عند تقاطع الأوسطى مع طريق الضبعة، ووفاة 12 طفلاً وطفلة «عاملين»، كيف تم التعامل معهما؟ أرقام، وقصص، ولقمة عيش، وصرف تعويضات، ورفع آثار الحادث؟ أم ملفات أشبه بالقنابل المسكوت عنها، من تطبيق قوانين لا حملات وكمائن، ورقابة 24/7، ونشر وعى وثقافة، واعتبار السلامة على الطريق وعلاج عمالة الأطفال المتفشية ضمن «مواد الهوية». تفاصيل انفصال الشارع كثيرة، وللحديث بقية.