استنطاق الجدران

استنطاق الجدران

استنطاق الجدران

 عمان اليوم -

استنطاق الجدران

جمعة بوكليب
بقلم - جمعة بوكليب

يحدثُ مصادفةً أن تكونَ في بيتك مع أفراد عائلتك، ثم فجأةً تسمع طَرقاً على الباب الخارجي أو رنين جرس، فتنهض لمعرفة مَن الطارق وماذا يريد. وحين تفتح الباب تجد أمامك شخصاً غريباً -رجلاً أو امرأةً- يحييك بأدب ويخبرك بأنه قضى جزءاً من طفولته وصباه في البيت، وجاء قصداً برغبة استعادة بعض ذكرياته. فهل تأذن له بالدخول؟ أم تتردد قليلاً وتتركه ينتظر أمام الباب؟

من المستبعد في لحظة مثل تلك أن ترد طلبه، وتغلق الباب في وجهه.

الحنين (النوستالجيا) إلى ما مضى من حيواتنا مثل ظل يتبعنا. يظهر ويختفي، يطول أو يقصر، تبعاً لتغيُّر الفصول. وله طُرقٌ عدةٌ يتسرب منها إلى المرء منَّا. وهو منصف، لا يفرق بين شخص وآخر سوى في الدرجة. متى وجد الفرصة مناسبة وفُتحت أمامه الأبواب يبرز ويستولي على ذاكراتنا وأحاسيسنا. أحياناً يتسرَّب إلينا مثل قطرات ماء تشق طريقها في صخر، صامتة ومثابرة.

كلما طالت بنا رحلة العمر تلبَّسنا حنين غامر بالعودة إلى طفولتنا وصبانا. وإن صدف ورمت بنا المقادير في مَهاجر بعيدة نعيش بين أناس غرباء وثقافات ولغات غريبة، يباغتنا الحنين إلى أوطاننا في أشكالٍ متعددة. ولو كان بعضنا على علاقة بالكتابة والأدب، يكون الشعر -في أغلب الأحيان- الملجأ الذي نتيح فيه لذلك الحنين الظهور؛ مرَّات بشكل مبالغ فيه، ومرَّات أخرى بتلميح واستحياء.

بالعودة إلى الطارق الغريب على الباب، فإن السماح له بالدخول يكون قرارنا الذي اتخذناه بدافع التعاطف من جهة. ومن جهة أخرى كونه يذكرنا بأنفسنا والبيوت التي عشنا بها. وفي الوقت ذاته، يعني كذلك أننا نفتح أمامه متن حياتنا العائلية، ونمنحه هامشاً صغيراً يكتبه ليستعيد نتفاً من طفولته وصباه. أدب الضيافة يفرض حضوره علينا، فلا نجرؤ على سؤاله وهو يتنقل في أنحاء البيت، مستحضراً ذكرياته الماضية.

نحن -تلك اللحظات- على دراية بأن الطارق الغريب لم يأتِ للبيت ليرانا أو ليتكلم معنا؛ بل جاء ليستنطق الجدران، ولكي يسمع صدى صوته الطفولي القديم. ذلك المشهد يصدمنا في البداية، ثم نبدأ بعدها في محاولة قراءة ما يظهر من تفاصيل على ملامح وجه ذلك الغريب. الأمر عادي جداً، قد يحدث لأيٍّ منا في أي يوم. وعاديَّته تلك هي التي تجعلنا لا نتوقع أن يحدث لنا، وبالتالي لا نفكر فيه.

بعد مغادرته، تظهر لنا فجأة حقيقة منسية. وهي أن البيت الذي يضمُّنا ونسميه بيتنا لا يحتوي فقط على أشيائنا وأنفاسنا وذكرياتنا؛ بل أنفاس وذكريات من سكنوه قبلنا أيضاً. ونتذكر أن لنا شركاء لا نعرفهم شخصياً، ولكن بالإمكان تخيُّلهم ورصد ما تركوه خلفهم. وما ينطبق على البيوت -في رأيي- يطول الأوطان. فالأوطان هي أيضاً بيوت؛ لكن أكبر مساحة. نُولد ونكبر فيها، ونبذر بين جدرانها آمالنا وأحلامنا، ونُودِعها ذكرياتنا.

ما السرُّ يا ترى وراء الحنين الذي يأكل من قلب مهاجر مثلاً، ويجعله يحلم بعودة إلى بلاده، وهو يعرف مسبقاً أنها قد لا تتحقق مطلقاً؟

طبيعة الأسئلة التي تظل بلا إجابات أنَّها لا تغادر. تبقى في العادة تلاحقنا وتربك حيواتنا وروتينها اليومي. والحنين لو تمعَّنا فيه قليلاً لاكتشفنا أنه أقرب إلى سؤال بلا إجابة. وهو -في الوقت ذاته- عاطفة وجدانية عميقة وجيَّاشة ومجرَّبة من أغلبنا. ولهذا السبب قد يتحوَّل إلى ما يشبه القوة الجامحة داخلنا إذا وجد الفرصة. تلك القوة هي التي تستحوذ على الروح والعقل معاً، بخاصة في حالة المهاجر المذكورة أعلاه، والتي هي حال كثيرين، فلا نرى حينئذٍ إلا ما يجيش في داخلنا من صور وذكريات، نهفو لاستعادتها مع علمنا باستحالة ذلك.

الحنين عاطفة أشدُّ مكراً مما نتخيَّل؛ فهو مَن يختار فريسته ويختار التوقيت، وليس أنسب له من عقل وقلب مهاجر تفتك به الوحدة.

العلاقة بين الحنين والوحدة بنيوية في جوهرها؛ فكلما استوطنتِ الوحدةُ قلبَ المرء والتفَّت كأفعوان بحياته، يباغته الحنين مستفرداً به. ولا مهرب.

omantoday

GMT 05:49 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

GMT 19:43 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

ترمب وحلم طهران الساذج

GMT 02:06 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

خطر «تسونامي بشري» يهدد إسرائيل

GMT 02:54 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

الطهي الإمبراطوري

GMT 02:45 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

أنقرة و«عقدة الحرب» الإسرائيلية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

استنطاق الجدران استنطاق الجدران



إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 17:11 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق

GMT 21:12 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 05:26 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في برجك يمدك بكل الطاقة وتسحر قلوبمن حولك

GMT 04:28 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الأسد الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 05:24 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon