بقلم - مصطفى فحص
في انتظار أن تنقشع الغيوم عن ورقة التفاهم الأميركية - الإيرانية وبنودها المقتضبة، وما إذا كان الذي سيعلَن يختلف عمّا حُفظ في السر، وفي انتظار تحديد هوية «المنتصر نسبياً» و«المهزوم نسبياً»، وأن تتضح معالم المعادلة الاستراتيجية الجديدة التي تقول إن مَن يخسر معركة ليس بالضرورة يخسر الحرب، وإن مَن يربح الحرب ليس بالضرورة يربح في السياسة؛ وبين كل هذه الافتراضات المبنية على طبيعة الشخصية السياسية الإيرانية وطبائع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب... ثمة حقيقة واحدة يمكن رؤيتها بالعين المجردة: لقد أصبح جبل عامل أثراً بعد عين.
جبل عامل، الذي زُجّ به في معركة الثأر لمقتل مرشد إيران علي خامنئي، تحوّل أضحيةً قُدّمت على مذبح المفاوضات؛ تفاوض بالنار استخدمت فيه تل أبيب أقصى ما تملك من أدوات التدمير، فحوّلته حطاماً.
والغالب أن العقل الإسرائيلي، منذ تأسيس الكيان، يعاني أزمة مع كل ما يدل على أثر أو موروث في هذه المنطقة يشهد لسكانها الأصليين. فقد قام مشروعه على معادلة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، ومنذ نشأته وهو يسعى إلى تثبيت ادعاءاته التاريخية والأسطورية. وعندما فشل في إلغاء الوقائع، اتجه إلى إزالة ما يثبت عكس روايته. وهذا، إلى حد بعيد، ما حدث في جبل عامل.
نحن سكان هذا الشرق نعرف عدونا وخطورته، ولسنا بحاجة إلى من يعلّمنا ذلك أو يمنّ علينا بكيفية الدفاع عن أنفسنا. فعلى مرّ التاريخ كان أهل جبل عامل أدرى بشعابه، وأعرَف بجغرافيته، وأقدر على حماية أرضه.
لكن هذه الشعاب نفسها حُطّمت في معركة الثأر حتى غدت أثراً بعد عين. وهذه من أفدح الخسائر التي تعرّض لها الجنوب اللبناني بعد النزف الكبير في الأرواح، وبعد فقدان أجيال من شبابه في معارك إسناد متنقلة بدأت في سوريا، ثم اليمن، ثم غزة، وانتهت سياسياً عند أبواب طهران.
والأغرب في هذه المعادلة أن البعض يخرج ليشكر طهران على ما عدّه وقفاً لإطلاق النار. والأغرب أكثر أولئك الذين يتحدثون في مجالسهم، وفي الجامعات والمراكز البحثية، أو عبر وسائل الإعلام، عن الجنوب وإعادة إعماره، كأن هذه المنطقة لم يكن لها مقام ولا تاريخ قبل اختطافها سياسياً وربطها بالمشروع الإيراني.
والأخطر من ذلك أولئك اليساريون والعلمانيون الذين لا يؤمنون أصلاً بالنظام الثيوقراطي الإيراني، لكنهم يطمحون إلى رضاه أو حضوره الرمزي، فيتحدثون عن إعادة الإعمار وكأن الأمر لا يتجاوز حائطاً هُدم هنا أو طريقاً انقطعت هناك... كأنهم يسكنون أرضاً بلا شعب ولا تراث ولا تاريخ، أو كأنهم يختزلون الجنوب في حسابات إسمنتية ومادية. لم يستوعبوا أن الأنقاض في جبل عامل أكثر من ركام؛ إنها شواهد على انقطاع مؤلم بين الماضي والحاضر، وعلى جرح أصاب هوية المكان بقدر ما أصاب عمرانه.
لقد سقطت بيوت جبل عامل التراثية كأنها صفحات ممزقة من كتاب الذاكرة الجنوبية. لم تُهدّم الأبنية وحدها، بل تهدمت معها الأمكنةُ التي كانت تحفظ أسماءَ الناس وأصواتَهم وطقوسَهم وذاكرةَ قرون من العيش على هذه الأرض. فالبيت التراثي، والساحة القديمة، والحي التاريخي، ليست مجرد حجارة صامتة، بل أوعية للذاكرة المشتركة تحفظ السردية الجماعية وصورة الناس عن أنفسهم.
وعندما يُفقد هذا التراث، فإنه لا يُهدم الحجر فقط، بل تُصاب الذاكرة الجمعية نفسها، ويضعف شعور المجتمع بالاستمرارية والانتماء. فالأجيال الجديدة قد تَرِثُ أسماء القرى وحكاياتها، لكنها تفقد الشواهد المادية التي كانت تجعل التاريخ جزءاً من التجربة اليومية الملموسة.
لذلك يبدو صعباً على هؤلاء أن يفهموا أن ما خسره جبل عامل لا ثمنَ يعوّضه... فالبيوت يمكن إعادة بنائها، والطرقات يمكن شقها من جديد، أما الذاكرة المكانية، والهوية الثقافية، وتراكم قرون من التاريخ المحفور في الحجر والبشر، إذا انكسرت، فإن ترميمها يحتاج أكثر من المال والإعمار؛ يحتاج زمناً طويلاً ووعياً عميقاً بحجم ما فُقد.