التفكير في المسألة السورية

التفكير في المسألة السورية؟!

التفكير في المسألة السورية؟!

 عمان اليوم -

التفكير في المسألة السورية

بقلم: عبد المنعم سعيد

تاريخياً، دارت «المسألة السورية» حول مدى تماسك الدولة وقدرتها على إقامة نظام «وطني» يمكنه استيعاب كافة ألوان الطيف، ليس فقط السياسي، وإنما العقائدي والطائفي. ومنذ نجحت «هيئة تحرير الشام» في دخول دمشق وإطاحة نظام البعث المستبد، فإن الرهان بات على إمكان النجاح في إقامة الدولة الوطنية. والحقيقة أن المسألة أخذت أشكالاً مختلفة في مراحل زمنية متعددة كان مطروحاً فيها قضية الدولة وتماسكها واستقرارها. وكان جيمس روزناو هو الذي وضع القانون العام لحركة الدول والمجتمعات، في أعقاب انتهاء الحرب الباردة بأنها سوف تتراوح ما بين «الاندماج والتفكيك»، وكان النموذج الأوروبي شاهداً على الاندماج والتكامل بين دول تحاربت على مدى التاريخ في ظل النظام الليبرالي الرأسمالي، وكان تفكيك الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا شاهداً على عجز القدرة على إدارة التنوع والتعددية في المجتمع والدولة. ولكن بعد مضي ربع قرن تقريباً على هذا المقترب، ومرور الفترة نفسها بعد إعلان فرنسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ»، فإن المسألة الآن تبدو أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي بدأ مرحلة للتفكيك لم تكن متوقعة، وتصويت شعب القرم وأجزاء من أوكرانيا على الانضمام إلى روسيا أعاد أشكالاً للتوحيد لم يظن أحد أنها لا تزال قائمة.

في العالم العربي، كانت المدرسة القومية في الفكر السياسي تقوم على أن الصلات التي ترتبها العلاقة مع «الوطن العربي»، ينبغي لها أن تتفوق على كل الأبعاد بحيث تخلق رابطة بين «المواطنين» تتعدى الروابط الدينية والعرقية. ولما كان ذلك صعباً، فقد عمدت المدرسة القومية إلى دعم الروابط «القومية»، ومنها كان الاهتمام باللغة والثقافة والتاريخ «المشترك» والمصالح المشتركة. وفي هذه المدرسة، يصير التأكيد على «الخطر» المشترك ممارسة يومية، ويصبح في مقدمة هذه الأخطار السعي من قبل أنواع كثيرة من «الأعداء» لتفتيت الأمة. ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن الفكر «القومي» إما أنه أنكر تماماً فكرة التمايزات العرقية والمذهبية، وإما أنه اعترف بها، ولكنه خلق آليات التنشئة السياسية؛ من تعليم وإعلام، وأدوات حزبية للقولبة السياسية، تقوم بتخريج القوميين المتحمسين.

المدهش أن نتيجة الفكر القومي كانت خلق حالات مضادة من الأفكار القومية لدى الأقليات، التي تجد نفسها لا تعبر عن ثقافتها وتقاليدها إلا في إطار دولة قومية لها هي الأخرى. وفي العالم العربي كان ذلك هو ما فعلته المدرسة القومية، ولسنوات طويلة كانت الإجابة عن سؤال حالة الأقليات في المنطقة واحدة، وهي أن كل الأحوال على ما يرام، بل إن المجيب سوف يرفض توصيف جماعة عرقية أو لغوية على أنها «أقلية»، فالجميع مواطنون متساوون، والجميع منصهرون في «سبيكة» واحدة.

المدرسة الاشتراكية اعتبرت القضية إما أنها مفتعلة تستخدمها الطبقات المُستغِلة من أجل الحفاظ على سيطرتها؛ وإما أنها قضية حقيقية ولكنها لا ينبغي لها أن تجب الروابط الاقتصادية والاجتماعية التي تربط الكادحين ببعضهم. وببساطة فإن الفكر الاشتراكي اعتبر الرابطة الطبقية أقوى من كل الروابط التي لها علاقة مع هويات أخرى. وكان ما جرى في العالم العربي خلال الستينات في عدد من الدول العربية ربطت ما بين «الاشتراكية» و«القومية»، وأصبح تحقيق «العدالة» و«الوحدة» الطريق لصهر التنويعات المختلفة في دولة واحدة. وبعيداً عن الأفكار القومية والاشتراكية، فقد كانت الدولة العربية البيروقراطية المتولدة عنهما هي التي خلقت آليات للعنف والخوف قادرة على كبت التطلعات والتقاليد المختلفة. ولذلك فإنه حتى مع تراجع الفكر القومي، وانهيار الفكر الاشتراكي خاصة بعد زوال الاتحاد السوفياتي، فإن عملية القهر استمرت حتى مع الدول التي لم تعدّ الاشتراكية والقومية من المذاهب الفكرية المعبرة عنها.

كانت المدرسة الليبرالية هي التي قدمت في بلدان كثيرة من دول العالم حلاً لإشكالية التعدد العرقي والمذهبي والديني في دولة واحدة، من خلال مجموعة من الآليات السياسية. فهي من ناحية اعتمدت على الفرد بوصفه وحدة سياسية أولية، واستناداً إلى هذا الفرد صار هناك صوت واحد لكل إنسان يمارس به السياسة تعبيراً عن نفسه وليس عن القبيلة أو الجماعة. ومن الفردية انبثقت فكرة المواطنة التي تجعل جميع «المواطنين» شركاء في «وطن» واحد، على أساس من المساواة الكاملة أمام القانون، بغض النظر عن العرق أو الدين أو العقيدة أو اللون أو الجنس. فهل يمكن لسوريا أن تعيش هذا النهج الذي تبنته دول عربية أخرى لا تعرف الطائفية ولا الميليشيات المنبثقة عنها؟

omantoday

GMT 00:39 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

أهداف الاستعمار الفرنسي

GMT 00:38 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

هل يقدر قوادري على فيلم الأسد؟

GMT 00:36 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

اللجوء إلى خندق السطور

GMT 00:33 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

تشاوري الرياض وحقيقة «الجيران القدريين»

GMT 19:44 2026 الجمعة ,20 آذار/ مارس

احذروا الشواهق

GMT 19:42 2026 الجمعة ,20 آذار/ مارس

طهران... الاستقالة من العقل

GMT 19:41 2026 الجمعة ,20 آذار/ مارس

آل هيكل وآل الخالدي والعرب وإيران!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التفكير في المسألة السورية التفكير في المسألة السورية



أناقة نجمات رمضان 2026 في منافسة لافتة خارج الشاشة

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 04:32 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العذراء الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 09:07 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج العذراء

GMT 21:21 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

شؤونك المالية والمادية تسير بشكل حسن

GMT 04:12 2020 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

لا تتهرب من تحمل المسؤولية

GMT 19:34 2020 الخميس ,28 أيار / مايو

حاذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 16:15 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon