العودة بالشيء إلى أصله في المنطقة

العودة بالشيء إلى أصله في المنطقة

العودة بالشيء إلى أصله في المنطقة

 عمان اليوم -

العودة بالشيء إلى أصله في المنطقة

سليمان جودة
بقلم - سليمان جودة

كان الشاعر امرؤ القيس هو أشهر الذين ضجوا من طول الليل، وكان الليل عنده بمعناه الرمزي لا الحرفي، وكان المعنى أن الهموم لما لازمته قد راكمت فوق رأسه كالجبال، فبدا وكأن حياته ليلٌ بغير نهار!

وقد جاء عليه وقت لم يعد يتمنى فيه شيئاً، سوى أن ينقضي الليل ويطلع النهار، ولكن رجاءه لم يكن يجعله يثق في أن النهار سوف يأتي بأفضل مما جاء به الليل، فلقد كان يأسه يغالب لديه الرجاء فيغلبه. وكان قد أطلق بيت الشعر الشهير:

ألا أيها الليل ألا انجلي بصبح

وما الإصباح منك بأمثلِ

كان قد ضاق من طول الليل، وكان ليله قد طال بأكثر مما تطول الليالي، ولا تطول الليالي في العادة إلا إذا صاحبتها هموم ثقيلة. فالليل عندئذ يصير أكثر من ليل واحد، وتتكاثف عتمته وتشتد كما لا تتكاثف عتمة أو يشتد ظلام، ولكن هذا لا ينفي أن الأمل يظل قائماً، وقد كان الأمل يقوم لدى امرئ القيس، حتى ولو كان أملاً ضعيفاً لا يقوى على مغالبة اليأس.

ولا شيء يشبه ليل شاعرنا القديم إلا ليل منطقتنا الطويل، وبالذات منذ أن هبت عليها رياح ما سُمي بـ«الربيع العربي». لم يكن ربيعاً ولا كانت هناك علاقة بينه وبين الربيع الذي ارتبط معناه عندنا بالبسمة والبهجة، ولو أنت بحثت عن بهجة أو عن بسمة في ربيع المنطقة إياه، فلن تعثر إلا على عكس البهجة والبسمة على طول الخط وعرضه.

ومع ذلك، فإن هناك بيننا مَنْ لا يزال يراه ربيعاً، بل ويمعن في أن يراه كذلك، ثم يتمادى فيتمنى لو أن ربيع المنطقة قد أكمل طريقه، فبلغ البلاد التي لم يبلغها، وأغرق الشواطئ التي لم يغرقها بفيضانه وعواصفه!

غير أن الواقع الذي نعيشه يقول، إن الليل الذي خلّفه وراءه ربيع المنطقة لا يخلو من أشياء تطرأ عليه فتبدد بعضاً من سواده وتطرده. وليس السواد الذي جاء به وجاء معه منذ عام 2011 إلا تقديم شطط الجماعات على منطق الدول المسؤولة، وتأخير الانتماء للدولة وتقديم الانتماء للجماعة عليه، وكانت الحصيلة أن الجماعات كثرت وتكاثرت وتناثرت وملأت الآفاق، ثم راحت تزاحم الدولة الوطنية فيما تحتكره بطبيعتها.

فمنذ أن نشأت الدولة ككيان سياسي، ومنذ أن قالت العلوم السياسية إن الدولة إذا كانت تتجسد في أرض، وفي شعب يعيش عليها، ثم في سلطة تنظم حياة هذا الشعب، فإنها بهذا المفهوم تحتكر حيازة السلاح، وتحتكر استخدامه على أرضها، ولا يحق لجماعة أن تنازعها هذا الحق بأي مبرر ولا تحت أي ظرف.

هذه قضية واضحة في العلوم السياسية، ومن شدة وضوحها فإن ظهور الجماعات الشاردة مع هبوب رياح الربيع السامة بدا شذوذاً عن قاعدة مستقرة، وحين وجدت الجماعات مَنْ يشجعها، ويساندها، بل ويمولها، فإن ذلك كان معناه أنها ليست ابنة أرضها، وأنها نبتة غريبة جرى زرعها في أرض المنطقة، وأنها إلى زوال وإنْ طال بها البقاء.

وكنا ذات يوم قريب قد استيقظنا في المنطقة على نبأ يقول إن مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، أعلن دمج «سرايا السلام» ذراع تياره العسكرية، في القوات الحكومية العراقية، ورأينا عناصر من سراياه ترفع راية التيار فوق مقر قيادته في مدينة سامراء، وكان هذا يعني أننا أمام جماعة تُسلم بأن الراية التي يجب أن ترتفع هي راية العراق كدولة، لا راية جماعة في داخل الدولة، وكان هذا على بعضه من قبيل العودة بالشيء إلى أصله في ليل هذه المنطقة الطويل بين ليالي المناطق في العالم.

ومن بعد «سرايا السلام» جاءت «كتائب الإمام علي» العراقية فقررت أن تقتفي أثر التيار الصدري، وكان قرارها من قبيل العودة الثانية بالشيء إلى أصله في ليل المنطقة المتطاول الطويل.

ومن بعد التيار والكتائب تابعنا قرار قوات سوريا الديمقراطية «قَسَد» دمج نفسها في القوات الحكومية السورية، وتعيين قائدها مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس السوري أحمد الشرع، فكان قرارها عودة ثالثة بالشيء إلى أصله في ليل المنطقة المتطاول الطويل أيضاً.

الدولة ككيان سياسي هي أصل، ولأنها أصل فإنها تخرج إلى النور لتبقى، وبقاؤها راجع إلى أنها تخاطب حاجة لدى مواطنيها الذين يستظلون بها، أما الجماعة فهي فرع خرج إلى النور على غير إرادة الأصل، ولأنه كذلك، فهو لا يدوم ولو طال بقاؤه الذي يظل ضد طبائع الأشياء.

omantoday

GMT 08:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 03:30 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

لا يريدون

GMT 11:30 2026 السبت ,18 تموز / يوليو

المحيط الهادئ ومستقبل النظام العالمي

GMT 12:56 2026 الثلاثاء ,07 تموز / يوليو

المجتمع الدولي واليمن المختطَف

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العودة بالشيء إلى أصله في المنطقة العودة بالشيء إلى أصله في المنطقة



أناقة الملكة رانيا بالأبيض خيارات راقية بين الفساتين والبدلات الكلاسيكية

عمّان - عُمان اليوم

GMT 13:22 2026 الأربعاء ,02 أيلول / سبتمبر

10 تجارب وأماكن هادئة لاكتشاف سحر فينيسيا الحقيقي
 عمان اليوم - 10 تجارب وأماكن هادئة لاكتشاف سحر فينيسيا الحقيقي

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 17:11 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon