قوة التَّفاوض والمحصلة النهائية

قوة التَّفاوض والمحصلة النهائية

قوة التَّفاوض والمحصلة النهائية

 عمان اليوم -

قوة التَّفاوض والمحصلة النهائية

أمل عبد العزيز الهزاني
بقلم - أمل عبد العزيز الهزاني

يرى بعضُ المراقبين أنَّ للإيرانيين قوةَ تفاوضٍ فريدة مكَّنتهم من توقيع اتفاقٍ مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، واستطاعت طهران أن تُحوّلَه إلى نصر كبير لها، وهو ما كان؛ تأجيل التخصيب 10 سنوات، والإفراج عن ملياراتٍ استخدمتها وقتَها إيران في حروبها الخارجية وبناءِ مزيد من المراكز البحثية ومصانع للصَّواريخ الباليستية. اليومَ، تردد التصريحات الإيرانية ما يشابه ذلك؛ الحرب انتهت، وهي اليومَ تُفاوض ومعها ورقةُ قوةٍ جديدة هي مضيق هرمز، وستخرج بملياراتها الحبيسة، والأهم أنَّ النظامَ لا يزال قائماً.

من حيث التحليل المهاري لقوَّة التفاوض، يعتمد الموضوعُ كلُّه على عواملِ قوة التفاوض، مَن يملك من الطرفين عواملَ قوةٍ فستميل كفةُ الميزان لصالحه، هي ليست مهارةً ذهنيةً أو خطابية، بل أصول صلبة وثابتة تقع عليها تقويةُ موقفِ أيّ من الطرفين.

إيرانُ عملت، طوالَ أربعة عقود، على تخطيط وتنفيذ اختراق دول المنطقة، ونجحت في ذلك لظروف تفصيلية كثيرة، لكنَّها بالنهاية وضعت المنطقة في واقع أنَّها مسيطرة على النظام في سوريا، وفي العراق، وغزة، وتحتل العاصمة اليمنية، وتحتكر مصير لبنان. هذه عوامل قوة ضاغطة تُفاوض من خلالها، وهذه الخيوط التي جمعتها كانت لوقتٍ مثل هذا؛ عندما تواجه خصومها. العامل الآخر أنَّ جيرانها دولٌ غنية ومسالمة ليس من ضِمن استراتيجياتها شنُّ حروب، وهي دول حليفة للغرب المُعادي لإيران، وكانَ الهجوم عليها، خلال حرب فبراير (شباط) الماضي، دلالةً على أنَّ إيران ترى دول الخليج من أهم أوراقها ضد الوايات المتحدة، إنْ وصل الأمر لتحطيم إيران.

العامل التفاوضي الأكثر خطورة أنَّ الأساس الذي تنطلق منه المواقف الإيرانية هو آيديولوجي بحت، ليس وطنياً أو سياسياً. وهذا الفارق بين إيران وفنزويلا التي لم تُكلف واشنطن سوى أيام حتى أسقطت نظامَ مادورو واختطفته وساقته إليها. الإيرانيون أثبتوا الثابت؛ أنَّ الآيديولوجيا أقوى دافع للدول والأفراد للتمسك بالأهداف والاستماتة من أجلها، والأمثلة متعددة. كوبا مثلاً، ما الذي تُمثله أمام دولة مثل أميركا؟ جزيرة صغيرة على الجانب الآخر من الخليج. أرسلت واشنطن جواسيسها، ودعمت الثوار ضد نظام كاسترو الشيوعي، لسنوات طويلة، ثم اكتشفت صواريخ نووية مُرسلة لكوبا من الاتحاد السوفياتي على بُعد 150 كيلومتراً من ميامي، وانتهت الأزمة باتفاقية من ضِمنها سحب الصواريخ مع تعهد أميركي بعدم غزو كوبا.

الحال تنطبق في فيتنام بشكل أوضح، لم تستطع الولايات المتحدة لخمسة عشر عاماً القضاء على الشيوعيين في حرب شرسة، رغم أنَّها دعّمت المعارضين الجنوبيين دعماً هائلاً؛ عسكرياً ومالياً وسياسياً ضد الشيوعيين الشماليين. وفي منطقتنا، إلى جانب إيران، لنتذكر كيف كانت آيديولوجيا «تنظيم القاعدة» تتلاعب بعقول الشباب، وتجعلهم بيادق تستخدمهم وقتما جاء صالحها، حتى إنَّ الرجل منهم لا يهتزّ له جفنٌ وهو يقتل والديه وأبناءه؛ ولاءً لمعتقده. هناك أيضاً الحروب الصليبية وحروب المسيحية في أوروبا، والحرب الأهلية الإسبانية وغيرها.

المفاوضون الإيرانيون على الطاولة، نعم خبراء ومتعلمون، لكنَّهم يشعرون بالشَّفقة على الأميركان الذين يفاوضونهم لأنَّهم لا يؤمنون بآيديولوجيا، فالانتصار على «الشيطان الأكبر» رخصة دخولهم الجنة، وأنَّ النظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه هو الأمل الوحيد للنجاة. هذه الآيديولوجيا ترعرعت في جيلين من الإيرانيين، وعلى أساسها، مثل أي آيديولوجيا، اعتمدت مبدأ نشره، مثل حركات التبشير، لكنَّه تبشير مسلَّح، يضمن مساحات جغرافية تكفي لتكوين إمبراطورية ولاية الفقيه. مثل هؤلاء لم يكن ببساطة وصفهم بالمفاوضيين الجيدين، أو بالبرغماتيين، وكأنَّنا نتحدث عن ساسة قرأوا وتدربوا على مهارات التفاوض، هؤلاء يفكرون ويقررون بطريقة مختلفة، ولديهم الاستعداد للتضحية بأي شيء من أجل التصدي لمحاولة إسقاط النظام.

مجبتى خامنئي هو الممثل لأبيه القتيل، معنوياً على الأقل، لذلك فوجهُ النظام قائم، والنظام قائم، أضعف من الأسبق بحكم آثار الحرب المدمرة، لكن أضعف أكثر بسبب التغيرات في المنطقة، فلا نظام بشار الأسد موجودٌ، ولا «حزب الله» بقوته السابقة، ولا «حماس» و«الجهاد» و«داعش» وغيرها، لا تزال أذرعاً خادمة للنظام الإيراني.

من ناحية أخرى، فجلُّ ما يصبو إليه دونالد ترمب أنْ يخرج من المفاوضات ليقول للصحافيين عبر «سي إن إن» إنه وقَّع اتفاقاً أفضلَ بكثير ممَّا وقَّعه غريمه باراك أوباما، وهو الاتفاق الذي طالما انتقده ترمب وانسحب منه في النهاية إذ عدَّه انهزامية للحزب الديمقراطي. الواقع أنَّ الإيرانيين خسروا كثيراً، خلال فترة رئاسة ترمب.

لقد كانت حرب فبراير امتداداً للسابع من أكتوبر (تشرين الأول) دون شك، وكل ما حصل بعد ذلك اليوم غيَّر وجه المنطقة.

omantoday

GMT 18:43 2026 الأربعاء ,24 حزيران / يونيو

«هرمز» قضية عربية خليجية أيضاً

GMT 18:42 2026 الأربعاء ,24 حزيران / يونيو

مذكرات حاتم الجبلي

GMT 18:40 2026 الأربعاء ,24 حزيران / يونيو

عن «الانسحاب الأميركي من المنطقة»

GMT 18:38 2026 الأربعاء ,24 حزيران / يونيو

استمع ستارمر... وأطاع

GMT 18:35 2026 الأربعاء ,24 حزيران / يونيو

قراءة في خطاب الكراهية

GMT 18:34 2026 الأربعاء ,24 حزيران / يونيو

واشنطن ــ طهران... نجاح المسار غير الآيديولوجي

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قوة التَّفاوض والمحصلة النهائية قوة التَّفاوض والمحصلة النهائية



هيفاء وهبي بإطلالات رياضية أنثوية تجمع بين الراحة والفخامة

بيروت - عُمان اليوم

GMT 19:57 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تضطر إلى اتخاذ قرارات حاسمة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon