عدو الآثار 6

عدو الآثار (6)

عدو الآثار (6)

 عمان اليوم -

عدو الآثار 6

زاهي حواس
بقلم : زاهي حواس

حضرتُ العديد من المؤتمرات السياحية والعلمية فى دول مختلفة، وكانت تُقام على هامش هذه المؤتمرات ندوات ومحاضرات عن السياحة والآثار. وكنت ألقى دائمًا محاضرة بعنوان «السياحة عدوٌّ للآثار»، والتى كانت تلقى اهتمامًا وترحيبًا كبيرين من منظمى المؤتمرات السياحية العالمية. ومؤخراً شاركت اجتماعًا نظمته إحدى المنظمات السياحية العالمية، بدعوة من السيد شريف فتحى، وزير السياحة والآثار، على متن باخرة سياحية بدأت رحلتها من العين السخنة حتى الإسكندرية، حضر الاجتماع عدد كبير من المهتمين بالسياحة والآثار. وقد أجبت خلال الاجتماع على العديد من الأسئلة التى قدمها أحد المذيعين العالميين.

ومن أهم إيجابيات الندوات التى أُقيمت خلال تلك الرحلة البحرية أن مدير منظمة السياحة أصدر تعليماته للسيدة كوستانزا مانفريدى بإجراء عدة لقاءات عن بعد معى، بهدف التعرف على الكيفية التى يمكن من خلالها للمنظمة أن تسهم فى الحفاظ على الآثار، ليس فى مصر فقط، بل فى العالم كله. وأقوم الآن بإعداد تقرير لعرضه على المنظمة، وأعتقد أنه من الضرورى أن تقوم بدور حقيقى فى هذا المجال.

ومن أهم الخطوات التى يمكن أن تقوم بها منظمة السياحة العالمية إعداد بيان شامل بالمواقع الأثرية المسجلة على خريطة السياحة العالمية، إلى جانب وضع برامج تدريبية للعاملين فى مجال الآثار والسياحة، لتعريفهم بكيفية الحفاظ على المواقع الأثرية، وفى الوقت نفسه ترسيخ الإيمان بأن السياحة تُعد من أهم مصادر الدخل القومى. ومن دونها لن تكون هناك موارد كافية لإقامة مشروعات الترميم والصيانة والتطوير. وخير مثال على ذلك ما حدث خلال انتشار وباء كوفيد-١٩، من توقف لحركة السياحة، وبالتالى انعدام الإيرادات التى تعتمد عليها الدول فى تنفيذ مشروعات الحفاظ على آثارها. ولذلك، فلا بد من تشجيع السياحة، وفى الوقت نفسه حماية الآثار من الآثار السلبية التى قد تنتج عن السياحة المكثفة وغير المنظمة.

وبداية، يجب على أن أقدم دعمًا كاملًا لوزير السياحة والآثار، السيد شريف فتحى، لأن الجمع بين قطاعى السياحة والآثار فى وزارة واحدة يفرض ضرورة التنسيق الدائم بينهما، خاصة أن السياحة المكثفة قد تمثل خطرًا شديدًا على المقابر والمواقع الأثرية.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك الأفواج السياحية الكبيرة التى تصل إلى شرم الشيخ والغردقة، ثم تتجه مباشرة إلى وادى الملوك فى الأقصر. وقد شاهدت الأمر نفسه فى مناطق أثرية أخرى على مستوى العالم، حيث تدخل أعداد هائلة من الزوار إلى أماكن مغلقة، مثل المقابر والمعابد.

وينتج عن دخول هذه الأفواج ارتفاع درجات الحرارة ونسب الرطوبة داخل المقابر، كما تتفاعل أنفاس الزوار مع الجدران والأسطح الأثرية، فتتحول الرطوبة إلى أملاح تؤدى بمرور الوقت إلى تقشر المناظر والألوان، وقد تتسبب فى إحداث أضرار خطيرة بالنقوش الموجودة على الجدران. ولقد واجهنا هذه المشكلة عندما كنا نعمل داخل الهرم الأكبر بالجيزة، إذ كانت الأملاح عالقة على جدران البهو العظيم، بالإضافة إلى الكتابات التى تركها بعض الزوار داخل الهرم، وهى كتابات تشوه الأثر وتسىء إليه.
وقد قمنا فى ذلك الوقت، وعلى مدار ثلاث سنوات، بالتعاون مع جامعة القاهرة، بإعداد مشروع متكامل للحفاظ على مقابر وادى الملوك، ولكن من المؤسف أن هذا المشروع لم يُنفذ بالصورة التى كنا نأملها.

ومن أخطر أعداء الآثار أيضًا عدم وعى بعض السائحين بكيفية التعامل مع المواقع الأثرية. فهناك من يحاول لمس الجدران أو النقوش، وقد يحمل أحد الزوار حقيبة على كتفه ولا يبالى بأن تحتك حقيبته بجدران المقبرة أو بالمناظر الموجودة عليها. وهناك أيضًا من يصر على لمس المناظر والنقوش بيده، وهو ما يؤدى إلى إتلاف الألوان الموجودة على الجدران، خاصة مع تكرار الأمر آلاف المرات.

ومن الأمور المؤسفة كذلك أن بعض الدول تسمح بحركة السيارات والحافلات السياحية بالقرب من المواقع الأثرية، بل قد تسمح بدخول عربات داخل بعض المناطق الحساسة، وهو أمر يجب منعه، لأن عوادم السيارات والاهتزازات الناتجة عن حركة المركبات تمثل خطرًا على الآثار. كذلك توجد مشروعات تقام داخل المواقع الأثرية أو بجوارها، سواء كانت مشروعات خدمية أو سياحية، وقد يكون لها تأثير سلبى فى الموقع، خاصة إذا لم تُنفذ وفق دراسة علمية دقيقة. ومن هذه المشروعات إنشاء الطرق، ومواقف السيارات، وخطوط الصرف الصحى، ودورات المياه، وأعمدة الكهرباء، وكلها يمكن أن تؤثر فى الصورة البانورامية للموقع الأثرى وفى طبيعته التاريخية.

وقد حدث بالفعل أن أُنشئت طرق ومبانٍ قريبة من بعض المواقع، مما أدى إلى زيادة المخاطر التى تهدد الآثار. لذلك يجب أن يكون هناك تخطيط مسبق ودقيق، بحيث تُقام الطرق الآلية ومواقف السيارات والمبانى الخدمية بعيدًا عن المواقع الأثرية، مع توفير وسائل نقل صغيرة وصديقة للبيئة لنقل الزوار إلى داخل المنطقة.

وتُعد مصر من أوائل الدول التى فكرت جديًا فى حماية الآثار من الأضرار الناتجة عن السياحة. ففى منطقة الأهرامات قمنا بإغلاق الهرم الأكبر أمام الزيارة لمدة عام كامل، وبدأ المرممون فى إزالة الأملاح العالقة على الجدران، وكذلك إزالة الكتابات التى تركها الزوار. وبعد ذلك، قامت شركة ألمانية بتصميم نظام خاص لتنظيف الفتحات التى يطلق عليها البعض «فتحات التهوية»، والتى يبلغ قطر الواحدة منها نحو عشرين سنتيمترًا. وقد تم إدخال روبوت داخل هذه الفتحات لتنظيفها، ثم وُضعت مروحة أمام إحدى الفتحات من الخارج، تعمل على دفع الهواء النقى من الخارج إلى الداخل وتحسين التهوية داخل الهرم، وسوف نستكمل فى المقال القادم بإذن الله تعالى الآثار السلبية للسياحة على الآثار وكيفية مواجهتها.

omantoday

GMT 13:20 2026 الثلاثاء ,11 آب / أغسطس

الولادة الذهبية

GMT 13:19 2026 الثلاثاء ,11 آب / أغسطس

أوطان أم مِللٌ ونِحل؟!

GMT 13:18 2026 الثلاثاء ,11 آب / أغسطس

«اتفاقية مكة»... استقرار لموازين القوى

GMT 13:15 2026 الثلاثاء ,11 آب / أغسطس

«اتفاقية مكة»... الرمزية والتفعيل

GMT 13:14 2026 الثلاثاء ,11 آب / أغسطس

موقف حازم

GMT 13:09 2026 الثلاثاء ,11 آب / أغسطس

ابنة الداعية لا ترتدي الحجاب!!

GMT 13:08 2026 الثلاثاء ,11 آب / أغسطس

جددنا الخطاب؟ (1)

GMT 13:05 2026 الثلاثاء ,11 آب / أغسطس

«الأوليجاركية» الجديدة تحكم أمريكا

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عدو الآثار 6 عدو الآثار 6



فساتين لافتة في حفلات نجمات الغناء هذا الأسبوع

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon