الوالدية الإيجابية

الوالدية الإيجابية

الوالدية الإيجابية

 عمان اليوم -

الوالدية الإيجابية

بقلم - د. آمال موسى

قد تبدو هذه التسمية غريبة بالنسبة إلى الكثير من الآباء والأمهات، ونفترض أن هناك من يرفضها من منطلق أنه لا توجد والدية سلبية حتى نتناول مفهوم الوالدية الإيجابية.

كما أن لا أحد يستطيع أن يزايد على الآباء والأمهات في صدق الأبوة والأمومة وعظمتهما، الشيء الذي جعل الشعراء والفنانين المبدعين بشكل عام ينتجون أجمل الأعمال الفنية التي تتغنَّى بعاطفة الأمومة والأبوة.

أظنُّ أنَّنا ليس في وارد وضع الوالدية في الغربال أو في الميزان، بل إننا في منطقة من الفهم مختلفة ولها كل المقومات التي تجعل منها بنّاءة.

إنَّ الحديث عن التغيير الثقافي والقيمي يستمد مشروعيته ووجاهته من الآليات التي يتم اعتمادها لتحقيق أكثر الأهداف صعوبة واستغراقاً للوقت والزمن والجهد: التغيير الثقافي.

لقد انطلق الغرب من عقود في الاشتغال على الوالدية الإيجابية كتتمة للمشروع التحديثي ككل. ففي المجتمعات التقليدية قبل هبوب رياح التحديث كانت مؤسسات التنشئة الاجتماعية هي الحاكمة والمتحكمة في سلوك الفرد وأفكاره ومواقفه وخياراته. غير أنَّ الحداثة التي جاءت لتنتصر للفرد رفعت من مكانة الفرد، وهناك نظريات في علم الاجتماع تظهر بشكل عام عملية الانتقال هذه وتكشف عن تضاريسها الكبرى؛ إذ الانتقال من الفكر البنيوي الوظيفي إلى الفردانية المنهجية مع رايمون بودون والفعلانية مع ماكس فيبر، هو تحول في توزيع السلطة بين الفرد والمؤسسات، وعلى رأس هذه المؤسسات نشير بطبيعة الحال إلى مؤسسة الأسرة.

إذن، مقاربة الوالدية الإيجابية هي آلية من آليات معالجة الظواهر السلبية التي يمكن أن تعرفها الأسرة، والتي قد يتسبب فيها الأولياء بغير قصد، بل إنَّ برامج الوالدية الإيجابية هي بكل بساطة برامج تهدف إلى دعم قدرات الأسر ورفع الوعي لدى الأولياء وتمكينهم من أساليب التربية الحديثة.

ويبدو لنا نحن في الفضاء العربي الإسلامي أننا بحاجة إلى إيلاء مقاربة الوالدية الإيجابية، وبرامجها القائمة على الحوار والتوعية والتثقيف، الأهمية الكبيرة. فالأمر يحتاج إلى التحلي بالشجاعة والاعتراف بأنَّ هناك أولياء يحتاجون إلى دعم قدراتهم المعرفية في مجال تربية الأطفال؛ لأنَّ الطفل في بداياته هو محل رعاية من أسرته، ولكن عندما يكبر فإنَّ كل المجتمع هو الذي سيتحمل تداعيات التربية غير الإيجابية وغير السليمة.

من المهم الإشارة إلى أنَّ التربية الوالدية لا غنى عنها إذا كنا على وعي بوظيفتها الإيجابية اليوم؛ إذ إنَّ كل شيء تغير، ولكن ثقافة الوالدية ظلَّت هي نفسها تقريباً، أو أنَّها تعاني من انفصام وانشطار بين والدية تقليدية في طريقة التربية ووالدية حديثة.

مما لا شك فيه أن مقاربة الوالدية الإيجابية تهم الجيل الجديد والأولياء حديثي العهد بالأبوة والأمومة والمقبلين على الزواج أيضاً ويعتزمون بناء أسرة؛ ذلك أنَّنا لا نختلف في أنَّ التربية علم وتراكم تجارب وخبرات، واليوم لم يعد مقبولاً اعتماد الضرب في تربية الأطفال مثلاً أو تعنيفهم لغوياً. فهذا الأسلوب الذي نشأت عليه أجيال وأجيال أصبح اليوم يتعارض مع القوانين والحقوق، علاوة على أنَّ طفل اليوم يختلف في علاقته بالمؤسسات والغيرية وبنفسه عن طفل الأمس.

لذلك فإنَّ دعم قدرات الأولياء وتمكينهم من أفكار ومبادئ الوالدية الإيجابية، هو دعم للأسرة وتحصين لها من العنف، ودعم للمجتمع كي ينشأ الفرد على التوازن النفسي والتحقق الذاتي. فالحوار وإيثار العلاقات الأفقية وتعزيز شخصية الطفل بالثقة والبوح والعقلانية... من شأن كل هذا أن يجنّب المجتمعَ ويلاتٍ كثيرة. ولا ننسَ أنَّ ظواهر الانحراف والجريمة والعنف... كلها تعبير عن خلل نفسي عادةً ما تكون له علاقة بالوالدية ذات المضامين والطرائق التي لم تعد صالحة اليوم.

إنَّ منظومة حقوق الطفل لها أثر في الدفع نحو اعتماد الوالدية الإيجابية كمقاربة جديدة في التربية في العصر الراهن؛ إذ إنَّ غالبية الدول قد صادقت على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، إضافة إلى التشريعات ذات البعد الوطني والتي هي في تناغم مع الصكوك الدولية في مجال حقوق الطفل التي لا توليها منظومة القيم التقليدية اهتماماً.

الوالدية الإيجابية هي مقاربة تثمّن الحوار في العلاقة مع الأبناء والتخاطب معهم بنبرة أفقية واحترام جسدهم وحريتهم في الاختيار. وبمعنى آخر، فإن التربية الإيجابية هي هدم مضامين الوالدية التقليدية ذات النسق السلطوي العمودي الذي ينتج أفراداً بعلاقات متوترة مع الذات والغيرية.

omantoday

GMT 20:15 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

ثلاثة مسارات كبرى تقرّر مستقبل الشّرق الأوسط

GMT 20:12 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

لا تعزية حيث لا عزاء

GMT 20:11 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

حطب الخرائط ووليمة التفاوض

GMT 20:10 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

خرافات العوامّ... أمس واليوم

GMT 20:08 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

لماذا فشلت أوسلو ويفشل وقف إطلاق النار؟

GMT 20:08 2025 الإثنين ,14 إبريل / نيسان

الخصوصية اللبنانية وتدوير الطروحات المستهلكة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الوالدية الإيجابية الوالدية الإيجابية



تنسيقات مثالية للنهار والمساء لياسمين صبري على الشاطيء

القاهرة ـ عمان اليوم

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 19:51 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 04:32 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العذراء الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 20:41 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

يوم مميز للنقاشات والاتصالات والأعمال

GMT 20:25 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 17:31 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

يولد بعض الجدل مع أحد الزملاء أو أحد المقربين

GMT 04:43 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العقرب الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 09:07 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج العذراء

GMT 19:07 2020 الخميس ,28 أيار / مايو

يوم مميز للنقاشات والاتصالات والأعمال

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:

GMT 21:21 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

شؤونك المالية والمادية تسير بشكل حسن

GMT 23:46 2020 الأحد ,06 كانون الأول / ديسمبر

تمرّ بيوم من الأحداث المهمة التي تضطرك إلى الصبر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon