حول بطء قطار العدالة الاجتماعية

حول بطء قطار العدالة الاجتماعية

حول بطء قطار العدالة الاجتماعية

 عمان اليوم -

حول بطء قطار العدالة الاجتماعية

د. آمال موسى
بقلم - د. آمال موسى

في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي كان الخطاب السياسي في الدول السائرة في طريق النمو، يقوم على أفكار رئيسية وكبرى، من بينها مسألة «العدالة الاجتماعية». وفي الحقيقة لم تكن المجتمعات تصف في تلك العقود هذه الفكرة وغيرها بـ«الشعارات الفضفاضة»، بل كان هناك شبه إجماع على جدية هذه الأفكار والأهداف، وتم الانخراط فيها بوصفها مشروعات ومسارات تحتاج إلى التكاتف والعمل والاجتهاد والإبداع.

غير أنَّ تعثر هذه المسارات، ولحظات الإخفاق التي عرفتها، قد حوَّلت الأفكار النبيلة الكبرى إلى مظاهر تسويق سياسي و«شعارات فضفاضة»، كما يحلو للكثيرين توصيفها.

طبعاً، لا شك في أن المجتمعات بقيادة النخب السياسية في الفضاء العربي الإسلامي، وأفريقيا، ومختلف البلدان الرامية إلى خوض معركة التخلف، قد حقَّقت في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعيتين بعض الخطوات التأسيسية المهمة، ولكن ظلت قليلة وأقل من التوقعات، ومما كان يجب قطعه، خصوصاً أن السياق اليوم يُظهر الفروقات أكثر ممّا كان يُظهرها قبل نصف قرن.

هناك معطى مبدئي من المهم توضيحه، وهو أن الأفكار الكبرى عبارة عن مسارات لا نقطة نهاية لها، ولا سقف يحدها. مثلاً التنمية الشاملة والمستدامة هي عملية مستمرة في التاريخ الاجتماعي للشعوب ولا يمكن اكتمالها مهما بلغت المجتمعات مستويات عالية من النماء. فالعدالة الاجتماعية مسار مفتوح وطموح.

المشكل القائم في الوقت الراهن هو هيمنة شعور عام في الدول التي لم تبلغ الخطوة الدنيا في مسار العدالة الاجتماعية، مفاده بأن المسار في حالة شبه تعطل في العقدين الأخيرين تقريباً. لذلك فإن حتى الأمم المتحدة، من خلال الشعار الذي اختارته هذا العام للاحتفال باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، دعت إلى تجديد الالتزام بالتنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية، وما نفهمه من هذه الدعوة هو أن المنجز في مجال العدالة الاجتماعية لا يؤكد فكرة الوفاء بالالتزام.

لنتذكر جيداً أن فكرة العدالة الاجتماعية ليست ميتافيزيقية أو هلاميّة، بل هي فكرة حاملة لمؤشرات قياس عملية وواضحة ومتفق حولها قبل وبعد إعلان كوبنهاغن سنة 1995، وتتمثل في مدى التقليص في نسبة الفقر، وتوفير العمل اللائق للجميع. وهنا لدينا مؤشر الناشطين، ومؤشر البطالة، إلى جانب مؤشرات تقلص الفجوة في مجال المساواة بين الجنسين، ناهيك عن التشريعات المتصلة بالحماية الاجتماعية والإدماج الاجتماعي. فجوهر العدالة الاجتماعية هو تحقيق الكرامة للجميع ومن دون استثناء. وكل دولة تستطيع أن تحدد منجزها استناداً إلى المؤشرات المذكورة والمتفق عليها دولياً.

إذن، قطار العدالة الاجتماعية يسير ببطء من سنوات، وبدل تقلص الفجوات والفروقات يمكن ملاحظة ازديادها لأنَّ السياق الراهن حقوقياً وتكنولوجياً واتصالياً زاد في إظهار هذه الفجوات، فبدت كأنها تضاعفت.

كيف يمكن فهم هذا التعطل في قطار العدالة الاجتماعية في غالبية البلدان اليوم؟

موضوعياً، من المهم توضيح أن العدالة الاجتماعية تحتاج إلى ميزانية ضخمة، ورهانات مجتمعية واضحة، وخطة دولة محكمة. وما نلاحظه أن ميزانيات غالبية الدول ذات الموارد الطبيعية المتواضعة في السنوات الأخيرة وتحديداً من تاريخ حدوث جائحة «كورونا»، التي أظهرت بدورها حجم الفجوات، فكانت السبب المزدوج من ناحية أنها السبب في ازدياد الفجوات، والسبب في إضعاف ميزانيات الدول لما فرضته الجائحة من حجر صحي ومصاريف طارئة وإفلاس مؤسسات... وبناء عليه لا يمكن لدول منهكة الميزانيات وتدير الأزمات في الداخل والخارج كرجال المطافئ أن تراكم منجزها في العدالة الاجتماعية. فالدول التي تحقق الإنجازات وتحرز التقدم في التنمية الاجتماعية ورفاه مجتمعاتها تحتاج إلى إطار عمل استراتيجي، لا أن تدير الشؤون العامة يوماً بيوم باعتبار أن غالبية الدول تجد نفسها مجبرة على معالجة الطوارئ وإرجاء مشروعاتها الاستراتيجية التي تصب كلها أو معظمها في باب التنمية والعدالة الاجتماعيتين.

لا يتوقف الأمر عند المال الذي هو في هذا السياق قوام العدالة الاجتماعية، بل هناك شرط آخر مهم يتمثل في الاستقرار داخل كل دولة أولاً، والاستقرار عالمياً أولاً وثانياً. ونقصد بذلك أنه منطقياً وعملياً من غير الممكن التقدم في مسار العدالة الاجتماعية في لحظة دولية ذات كثافة من ناحية عدد التوترات والصراعات في العالم. وهو ما يفيد بأن العدالة الاجتماعية كي تحرز التقدم اللازم تحتاج إلى الاستقرار كما هي حال أي عملية بناء حقيقية في العالم. ذلك أن هذا العالم الموصوف منذ عقود بأنه أصبح قرية صغيرة بفضل تكنولوجيا الاتصال، فهو في الأزمات يتحول إلى ما هو أصغر من القرية الصغيرة بحكم التشابك الدولي وتعقده.

omantoday

GMT 11:46 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

رياح هادئة من سوريا

GMT 11:43 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

حياة الفهد... وحياة الذاكرة

GMT 11:41 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

الوسط المستحيل في لبنان

GMT 11:37 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

إشكاليات الأمن الإقليمي

GMT 11:35 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

خطأ ستارمر كشف أخطاء

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حول بطء قطار العدالة الاجتماعية حول بطء قطار العدالة الاجتماعية



تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - عُمان اليوم

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 15:36 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مؤشر بورصة مسقط يُغلق منخفضًا بنسبة 0.42 %

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 21:50 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 23:59 2020 الأحد ,06 كانون الأول / ديسمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 09:01 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الاسد

GMT 04:28 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الأسد الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon