التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

 عمان اليوم -

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

يوسف الديني
بقلم - يوسف الديني

يشيع الآن مفهوم شديد التبسيط وهو «ما بعد الغرب»، أو «ما بعد أميركا»، وهو توصيف مشكلته الكبرى أنه يتناول مفهوماً خاطئاً وقاصراً وهو «الاستبدال»، وليس إعادة التموضع في عالم يتشكل بشكل سريع ما بعد حالة التهشم التي تصيب النظام الدولي. وعليه، فالسؤال ليس عن عالم ما بعد الولايات المتحدة، وإنما عن كيف يمكن أن تمضي السياسات الخارجية في عالم يفقد فكرة «المركز».

الخطأ الشائع في قراءة هذا المشهد هو الإفراط في التنظير للبدائل، أو حتى استعجال قراءة ملامح النظام الناشئ؛ فالحالة النقدية لتراجع الإيمان بالأعراف الدولية وانتهاكات السيادة لا تستلزم وجود نظام ثابت بديل، وكلنا ندرك أن الجغرافيا السياسية اليوم لها ديناميكيات شديدة التعقيد، وليست مسابقة أو تصويتاً جماعياً لمن يتولى إدارة العالم.

أكبر دليل على خطأ هذه التعميمات التي نقرؤها هذه الأيام هو التحولات التي شهدناها، وغيّرت ما كان يُنظر إليه بوصفه «مسلَّمات». على سبيل المثال، دول أميركا اللاتينية التي استثمرت فيها الصين على مدى 20 سنة تقريباً بداية من تمويل البنى التحتية، وصولاً إلى بناء علاقات تجارية استراتيجية وشراكات في تنمية الموارد، استطاع دونالد ترمب خلال بضعة شهور قلب المعادلة رأساً على عقب فيها، بداية من التغيير في فنزويلا، مروراً بالسعي الكوبي للتفاوض، وصولاً إلى استجابة بنما بإلغاء امتيازات الشركات الصينية على الموانئ.

وفي الاتجاه المقابل، نرى حالة الفتور التي أصابت العلاقة العضوية بين أوروبا وواشنطن، بعد التباينات الأخيرة إزاء حرب أوكرانيا، وتهديدات موسكو، ثم حرب إيران، وكلها أعادت طرح مراجعات عميقة وطويلة للدول الأوروبية بهدف تعزيز قدراتها الدفاعية والتقنية والأمنية.

ربما تكون الاستجابة الأدق هنا هي فتح نوافذ الشراكات، وتوسيع شبكة العلاقات، بعيداً عن فكرة «البدائل» التي لا تنتمي إلى عالم السياسة المعقد؛ فالتوجه نحو مزيد من العلاقات والشراكات، وفق المصلحة الوطنية، هو جزء من حماية هذه المصلحة، لا سيما في سياق تراجعت فيه فكرة النظام الدولي المستقر، وتقلّبت أولويات القوى الكبرى، وتداخلت أدوات الاقتصاد والتقنية في عالم السياسة.

وربما كانت الحرب الروسية - الأوكرانية تمهيداً لما نشهده اليوم من تغوّل الجيواقتصادي واللوجيستي على السياسي؛ ما يتطلب قدراً كبيراً من المرونة في إدارة العلاقات. وعادةً ما يُستحضر النموذج الهندي في التأكيد على هذه المرونة بإدارة تشبه المحفظة الاستثمارية؛ فقد وُلدت الهند دولةً مستقلة في لحظة عالمية شديدة السيولة عام 1947، تزامنت مع فجر العصر النووي، واشتداد التنافس الأميركي - السوفياتي، فاختار نهرو الانفتاح على المساعدات الأميركية من دون إغلاق الباب أمام موسكو وبكين، مُحوّلاً التنافسَ عليها إلى تنافس من خلالها.

واليوم، تكرّر الهند هذه المعادلة بأدوات أكثر تطوراً، فتُعزّز قوتها البحرية الإقليمية، وتُشارك في تحالفات متعددة من دون الاكتفاء بأي منها، غير أن هذه المقاربة تحتاج إلى جهود مضنية ومستمرة في تنمية العلاقات وتقييمها وإعادة موازنتها، والأهم الوصول إلى حدٍّ أدنى من تعزيز القدرات الذاتية في الأمن بمفهومه الشامل: الدفاعي والسيبراني والغذائي وأمن الممرات.

وهذا بالضبط ما تُجسّده التجربة السعودية؛ فمنذ «رؤية 2030»، توجّهت الرياض إلى تعزيز شراكاتها مع أطراف متعددة، وبناء علاقات متوازنة مع قوى مختلفة من دون التخلي عن علاقاتها التاريخية؛ إيماناً بالانفتاح على الخيارات لا على القطيعة أو الاستبدال.

وقد تجلّى ذلك في قدرة الرياض على توظيف مشاريعها لمعالجة آثار الحرب الإيرانية، وفي حفاظها على شبكة متوازنة من الشراكات في خضم واحدة من أعقد أزمات المنطقة. ولا يختلف هذا في جوهره عن الأنماط الجديدة التي يتم طرحها اليوم كحلول لمواجهة التحولات في عالم اليوم، والتي يجب أن تمسّ التحديات الداخلية والتنويع الاقتصادي وحركة مرور التجارة العالمية براً وبحراً، بحيث يصبح التحدي الكبير هو قدرة أي دولة على إدارة هذا التنوع بفاعلية.

سؤال الأقطاب اليوم لا معنى له بقدر المرونة التي تملكها الدول للحفاظ على فاعليتها ومشاريعها التنموية في عالم يتخلى عن التحالفات الحصرية، ومن هنا لا يصبح التنوع في الخيارات خياراً تكتيكياً فحسب، بل يصبح إطاراً ناظماً لأي سياسة خارجية قوية وصلبة.

التحدي الأول أمام دول ما بعد عالم المركز هو بناء محفظة من العلاقات الدولية الناجحة، وإدارة أكبر قدر من الشراكات المتنوعة، بغض النظر عن شكل ومسمى البدائل.

omantoday

GMT 11:46 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

رياح هادئة من سوريا

GMT 11:43 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

حياة الفهد... وحياة الذاكرة

GMT 11:41 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

الوسط المستحيل في لبنان

GMT 11:37 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

إشكاليات الأمن الإقليمي

GMT 11:35 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

خطأ ستارمر كشف أخطاء

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز التحالفات السياسية في عالم بلا مركز



تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - عُمان اليوم

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 15:36 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مؤشر بورصة مسقط يُغلق منخفضًا بنسبة 0.42 %

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 21:50 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 23:59 2020 الأحد ,06 كانون الأول / ديسمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 09:01 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الاسد

GMT 04:28 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الأسد الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon