تراجع المشروع الإيراني

تراجع المشروع الإيراني

تراجع المشروع الإيراني

 عمان اليوم -

تراجع المشروع الإيراني

محمد الرميحي
بقلم : محمد الرميحي

قال لصاحبه وهما يتابعان مشهد الشرق الأوسط على الشاشة: لدي شعور بأن المشروع الإيراني في المنطقة دخل مرحلة انحدار، وربما لم يعد التراجع تدريجياً كما كان، بل أصبح أقرب إلى الانكسار. سأله صاحبه: وما دليلك؟ ثم أضاف: إن أخطر أشكال التحليل هو عدم تقدير قوة الخصم!

قال: أعلم ذلك، وللوصول إلى جواب عقلاني، علينا أن نعود قليلاً إلى الوراء. المشروع الإيراني بلغ ذروة تمدده في العقد الثاني من هذا القرن. في تلك السنوات كانت طهران حاضرة، مباشرة أو عبر حلفائها، في مساحة واسعة تمتد من العراق وسوريا ولبنان إلى اليمن. وجاء الاتفاق النووي عام 2015 مع الولايات المتحدة الذي سمي «خطة العمل الشاملة والمشتركة» والمشهور بـ«5 1» ليعطي إيران، في نظر قادتها وحلفائها، اعترافاً بدورها الإقليمي، وفرصة لالتقاط الأنفاس اقتصادياً وسياسياً.

كان حسن نصرالله يومها اللاعب الأقوى في لبنان. امتلك «حزب الله» المال والسلاح والتنظيم والإعلام، وأصبح قادراً على التأثير في القرار اللبناني، بالرضا أحياناً وبالخشية أحياناً أخرى. ولم يبقَ نشاطه داخل الحدود اللبنانية. دخلت قواته الحرب في سوريا إلى جانب نظام بشار الأسد، وشارك في تدريب مجموعات مرتبطة بالمشروع الإيراني في أكثر من ساحة عربية.

في سوريا، بدأ التدخل الإيراني يتسع منذ عام 2011، ثم أصبح بحلول 2015 حقيقة عسكرية وسياسية لا يمكن تجاهلها. عبد اللهيان في كتابه «صبح الشام» تحدث عن تفاهمات غير معلنة بين إيران وأميركا، سمحت لطهران بهامش واسع من الحركة مقابل ضبط ملفات أخرى، وفي مقدمتها الملف النووي. وسواء صحت تلك الروايات أم لا، فالنتيجة أمامنا: إيران أصبحت في تلك السنوات صاحبة نفوذ كبير في دمشق، خاصة بعد 2015.

أما العراق، فكان الجائزة الأهم. بعد سقوط نظام صدام حسين تمددت طهران داخل النسيج السياسي العراقي بدرجة غير مسبوقة. ولعل انتخابات 2010 تقدم مثالاً واضحاً: فازت قائمة إياد علاوي بأكبر عدد من المقاعد، لكن نوري المالكي بقي في رئاسة الحكومة بعد مفاوضات وضغوط، وكان لإيران فيها الرأي الأخير. العراق بالنسبة لطهران لم يكن جاراً فقط، بل كان أيضاً ممراً إلى سوريا ولبنان، وسوقاً اقتصادية، ومنفذاً مهماً.

وفي اليمن اكتمل القوس تقريباً. سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014 منحت إيران ورقة بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهكذا بدت شبكة النفوذ الإيراني في لحظة ما ممتدة من جنوب الجزيرة العربية إلى شرق البحر المتوسط. لم يكن غريباً أن يتحدث بعض المسؤولين الإيرانيين آنذاك بلغة المنتصر. اليوم تبدلت الصورة.

خرجت سوريا من المعادلة الإيرانية في 2024، وانقطع طريق مهم كان يصل طهران بـ«حزب الله». وتلقى الحزب ضربات ثقيلة أفقدته عدداً كبيراً من قياداته، وفي مقدمتهم حسن نصرالله. كما تراجعت قدرته على الحركة الإقليمية، وأصبحنا أمام واقع لبناني مختلف وضغوط داخلية وخارجية متزايدة لحصر السلاح بيد الدولة، مما شجع الدولة على فتح مسار تفاوضي خاص بها.

وفي اليمن لم يعد الحوثي يتحرك في البيئة نفسها التي أتاحت له التوسع السابق. خطوط الإمداد أصبحت أصعب، والبحر الأحمر أكثر ازدحاماً بالقوى والتحالفات المناهضة له، والدولة الشرعية في اليمن أكثر استعداداً مما كانت عليه في السنوات الأولى للحرب. وقدرته على التحكم في المشهد اليمني أو استخدام باب المندب ورقة ضغط مطلقة لم تعد كما كانت.

تبقى العراق، وهنا تكمن العقدة الأهم. طهران تعرف أن خسارة نفوذها في العراق تعني قطع أهم حلقة متبقية في مشروعها العربي. لذلك تتمسك به بشدة. وقد أرسلت قاليباف لإبقاء الحلقة، لكن العراق نفسه يتغير. لم تعد القدرة الإيرانية على فرض الأسماء والخيارات في قمة السلطة كما كانت، وتصاعد الحديث الرسمي العراقي عن حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء ظاهرة القوى المسلحة التي تعمل خارج مؤسساتها. كما أصبحت التكلفة السياسية والاقتصادية للعلاقة غير المتوازنة مع إيران أكثر وضوحاً أمام العراقيين.

وهنا تظهر مشكلة أعمق تواجه طهران. فالمشروع الذي بُني طوال سنوات على ضعف الدول العربية، وجد نفسه أمام دول بدأت تستعيد شيئاً من قدرتها، ومجتمعات دفعت أثماناً باهظة من صراع الوكلاء، ولم تعد تنظر إلى الشعارات القديمة بالحماسة نفسها. النفوذ الذي كان يبدو مكسباً أصبح في بعض الأماكن عبئاً. يضاف إلى ذلك أن إيران نفسها دفعت في المواجهات العسكرية الأخيرة ثمناً كبيراً من قدراتها ومواردها وهيبتها. كما أن الاعتداءات التي طالت دول الخليج وسعت دائرة القلق منها، وأضعفت قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها قوة استقرار إقليمية. هل يعني ذلك أن المشروع الإيراني انتهى؟ بالتأكيد لا. إيران دولة لها مصالح وشبكات ما زالت فاعلة. والخطأ هو الاعتقاد أن ضعفها الحالي يعني اختفاء نفوذها غداً. لكن الفارق بين الأمس واليوم واضح: كانت طهران قبل عقد تتقدم وتفتح ساحات جديدة، أما الآن فهي تحاول المحافظة على ما بقي منها. ذلك هو التحول الأهم. الإمبراطوريات الصغيرة لا تسقط دائماً بضربة واحدة. أحياناً تبدأ بخسارة الأطراف، ثم طرق الإمداد، ثم الحلفاء، ثم القدرة على فرض الإرادة.

آخر الكلام: والسؤال لم يعد: إلى أين ستتمدد إيران؟ بل: كم تستطيع أن تحتفظ مما تمددت إليه؟

omantoday

GMT 11:51 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

تهديدات وزير الخزانة... نفسية أم حقيقية؟

GMT 11:50 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

الخبز الباليستي

GMT 11:48 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي

GMT 11:47 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

للتاريخ أطلالٌ يقف عليها الحائرون

GMT 11:45 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

حافة الهاوية

GMT 11:41 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

فوكوياما... مسارٌ جديد لتاريخ لا ينتهي

GMT 11:40 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

مدرسة جياب للمقاومة والنصر

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تراجع المشروع الإيراني تراجع المشروع الإيراني



ياسمين صبري تتألق في رحلة صيفية بإطلالات أنثوية وألوان جريئة

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon