بقلم - ناصيف حتي
القمة الثامنة عشرة لمجموعة «بريكس»، التي عقدت في نيودلهي، الهند، في 12 و13 سبتمبر (أيلول)، حملت رسائل عديدة، بعضها مباشر وبعضها الآخر غير مباشر. رسائل تتعلق بأهمية تعزيز وتنشيط التعاون بين الدول الأعضاء في مجالات عديدة، وبالطبع ذات الاهتمامات المشتركة، ولو كانت هنالك أولويات مختلفة، وحتى خلافات بين هذه الدول، في لحظة معينة أو بشكل عام على الصعيد السياسي الدولي مع ازدياد التحديات في مرحلة تشهد تبلور نظام عالمي جديد.
لا بد من الإشارة إلى أن مجموعة «بريكس» التي انطلقت في قمتها الأولى بموسكو عام 2009 في اجتماع المؤسسين الأربعة (البرازيل، روسيا، الهند والصين الشعبية)، وانضمت إليها بسرعة جنوب أفريقيا، توسعت اليوم ليصل عدد أعضائها إلى 11 عضواً إلى جانب وجود مجموعة من الدول (10 دول) ترتبط بـ«بريكس» بعلاقات شراكة وتعاون. ويرى كثير من المراقبين أن هذه الصيغة هي بمثابة مرحلة تحضيرية أو «انتقالية» تترك الباب مفتوحاً أمام هذه الدول للانضمام إلى «بريكس» متى توافرت الشروط المطلوبة التي تحددها بالطبع الدول الأعضاء.
وقد ساهم هذا التوسع في تعزيز التمثيل الجغرافي الدولي مما يعزز مكانة ودور المنظمة في مجالات اهتماماتها. للتذكير أيضاً بما تمثله «بريكس» على الصعيد الدولي فإنها تضم تقريباً، حسب بيانات المنظمة، نحو 49.5 في المائة من سكان العالم وأيضاً نحو 40 في المائة من الناتج الداخلي العام على الصعيد العالمي.
ولا بد من الملاحظة على صعيد التغيرات في النظام العالمي الذي يتبلور، وذلك في إطار مقارنة الوزن الاقتصادي بين «بريكس» التي صارت تشكل الجزء الأساسي في «الجنوب العالمي» مقارنة مع «الشمال العالمي» الذي تمثله «مجموعة السبع»، أن ميزان القوى بين الطرفين في هذا المجال قد تغير لمصلحة «بريكس»، إذا ما قارنا حجم الناتج الداخلي العام بين الطرفين.
وتشير التقديرات إلى أن «بريكس» ستتفوق بنسبة 1.6 في المائة على مجموعة السبع في عام 2030. الأمر الذي يشكل انقلاباً كبيراً في هذا المجال. الجدير بالذكر أن عدداً من الدول الأعضاء في المجموعتين هي في الوقت ذاته أعضاء في مجموعة العشرين. نشير إلى ذلك لنؤكد على التغييرات الحاصلة في عالم اليوم في إعادة خلط الأوراق على صعيد العلاقات الدولية. إنها سمة تعكس تغير الأولويات والمصالح وتقاطعها واختلافها حسب كل مسألة في الجغرافيتين السياسية والاقتصادية، وكذلك في ما يعرف بعامل «الهوياتية السياسية».
لا ينفي ذلك بالطبع وجود نكهة أو رواسب عقائدية خف دورها في صياغة السياسات الدولية للأطراف التي تحملها، ولو لم يتم إسقاطها بشكل رسمي كلياً لبقاء جوانب منها ما زالت مؤثرة وضرورية لكل طرف لأسباب داخلية أو خارجية. أخيراً لا بد من الإشارة إلى أن المنظمات الإقليمية «التقليدية» ما زالت تلعب دورها، سواء خف أو تراجع هذا الدور في مجال معين أو في لحظة معينة. دور يبقى ضرورياً لأطرافه بدرجات مختلفة حسب كل قضية تعني هذا الطرف أو ذاك، لكن التعاون، كما يقال، «بالقطعة»، أو في مجالات وهندسات تعاونية مختلفة جديدة أو متجددة يبقى سمة أساسية في مسار بلورة النظام العالمي الجديد.