بقلم - فهد سليمان الشقيران
لطالما ارتبطت بطولات كأس العالم عبر التاريخ بحمولة من الأفكار والتأويلات وقصص التآمر؛ ذلك أن مثل هذه البطولات العالمية استثنائية، على عكس مثيلاتها القاريَّة أو المحليَّة الاعتيادية؛ إذ سرعان ما تتفتَّق قرائح الموسوسين عن خيالاتٍ غرائبيَّة تتجاوز مساحة اللعب لتصل إلى الأساطير المافيوية، وتغلغُل المنظمات السريَّة، وليس انتهاءً بقوَّة المال وهيمنة المراهنين، ناهيك عن نكء الجراح التاريخية، وفتح دمامل الحروب السياسية والانتقامية، والتذكير بالمجازر والدماء، وهذا يحدث باستمرار.
وآية ذلك أن هذا المونديال المشوِّق طغت عليه -وبخاصة لدى بعض العرب- التأويلات التآمرية، وإدخال الدور الماسوني أو الصهيوني والإمبريالي بغية نصر هذا الفريق، أو الانقضاض على الفريق الآخر.
والحقُّ أن مثل هذه التعابير حين لا نأخذها على محمل الجد تمنحنا مزيداً من الفكاهة اليومية، وبالوقت نفسه يمكن لمن أراد بحث هذه الحالة بجديَّة أن يرصد مجموع العلامات والإشارات والمصطلحات التي طبعت المونديال، وكيف تعبِّر المجتمعات عن مكنونها الداخلي عبر مباراة رياضية عابرة.
ومن أبرز من زُجَّ باسمه في هذا المجال اللاعب ليونيل ميسي؛ إذ خلع عليه خصومه مجموعة من الانتماءاتِ الغرائبية العجائبية، متجاوزين حيويَّة اللعبة وعالميَّتها، محاولين سحب أي انتصارٍ نحو نظريَّاتٍ تآمرية ومنظَّماتٍ سريَّة، وفق تفسيراتٍ ظنَّ البعض أنها انتهت، ولكنها سرعان ما تنبعث وبطريقة مثيرة للتساؤل والاستغراب.
ولم يكن ميسي الوحيد الذي أُدرج في عوالم تفسير «الانتصار التآمري»؛ بل من قبله مارادونا؛ حيث زُجَّ باسمه ضمن عشرات الأحزاب والأطياف، وفُسِّرت كل حركة منه بفكرة يراد منها نبزه ووصمه وربطه بدولة أو منظَّمة، سياسية كانت أو ماليَّة أو آيديولوجية. وهذا قدَر الظواهر التي تدرج قليلاً على هذه الأرض؛ إذ يكون وهجها الطاغي مستعصياً على الاستيعاب العمومي، وهذا يصحُّ بالضبط على ميسي.
وتتمة للحديث عن مارادونا ثمة تحليل مهم للباحث هانز أولريش غومبريخت، في دراسة له بعنوان «الفلسفة وأسلوب برشلونة» ترجَمها عبد الحميد محمد، ونُشرت في مجلة «حكمة». يقول: «لم يكُ من قبيل الصدفة اختراع دور (الليبرو) كلاعبٍ يستطيع التحرُّر من مضايقات لاعبي الخصم بفضل أسلوبه. ولكن قبل ذلك، وأثناء بطولة كأس العالم، لم ينجح مارادونا في الحفاظ على هذا الأسلوب؛ حيث كان لاعبُ خطِّ الوسط المتمرِّس لوثر ماتيوس على قدر كبير من اللياقة البدنية والسرعة والقدرة على التحمُّل. وبنظرة على الماضي، يبدو أنَّ عزل مارادونا عبر ماتيوس قد شكَّل نقطة تحوُّل حاسمة. آنذاك دوَّن أحدهم من الأيام الخوالي ملاحظة تقول إنَّ اللعبة قد غدت (ألعاب قوى مع كرة). نتج من ذلك أنَّ كلَّ لاعب بات لديه دوماً وقت أقلّ لإيقاف الكرة وتمريرها، لتصبح رؤية مهاجمٍ غير محمي بسبب الضغط البدني للاعبي الخصوم أمراً أشبه بالمستحيل تماماً، ليولد أسلوب (اللمسة الواحدة) الذي يتشابه فيه عمليّاً التسلُّم والتسليم».
أيضاً لنقرأ ما قاله بيب غوارديولا الذي درَّب ميسي في الفترة من 2008 إلى 2012: «إنه يراقب، والآن يمشي، إنه يتمشَّى، وهذا أكثر ما يعجبني فيه. إنه ليس خارج المباراة؛ بل هو مشاركٌ فيها، يحرِّك رأسه يميناً ويساراً، يعرف بالضبط ما الذي سيحدث، نعم يتحرَّك هكذا باستمرار، إنه يتحرّك دوماً، إنه لا يجري؛ لكنه يراقب دوماً ما يحدث، يحاول التعرُّف إلى أضعف لاعبي خطِّ الظهر والأربعة، بعد دقائق يكون قد رسم الخريطة في عينه وفي مخِّه، وعرف بالضبط المساحة والمنظر العام. الأمر أشبه بالبقاء على قيد الحياة في الغابة. يعرف أنه لو تحرك في المكان الذي رسمه فسوف يحظى بمساحاتٍ إضافية».
نعم؛ إن استئناف واستدعاء التفسير التآمري في المجال الرياضي أمرٌ طبيعي، ولكن ضمن مستوى معيَّن تتسلَّى به الجماهير، إنه يمنحهم العزاء والسلوى في حال التحطُّم والانهزام، وهذا موجودٌ في فرقٍ كثيرة بالعالم؛ حيث التبرير السريع الذي يضمِّد الجراح، فهو البديل عن المعالجة النقديَّة العلميَّة والعمليَّة الجديَّة للفشل والتراجع. ولكن الخطورة تكمن في تحويل اللعبة عن مسارها الرياضي إلى تعويمها سياسياً وفكرياً وآيديولوجياً، فهذا مكمن الخطر ودلالة انهيار القدرات الاستيعابية للألعاب الرياضية وأساليبها وأدواتها.
الخلاصة: إن محاولة شيطنة كل فوزٍ لميسي تعود إلى كونه «ظاهرة» يصعب استيعابها؛ لأن الناس بالغالب تألف «العاديَّ» من الناس و«العاديَّ» من النجاحات، وحين تتحقق الإنجازات الخارقة سرعان ما يهرعون نحو التأويل التآمري المريح... وربما الفتَّاك.