تكفير الطب وتحريم نعمة العلاج

تكفير الطب.. وتحريم نعمة العلاج

تكفير الطب.. وتحريم نعمة العلاج

 عمان اليوم -

تكفير الطب وتحريم نعمة العلاج

خالد منتصر
بقلم - خالد منتصر

لماذا يخاف حراس المعبد من ساكن المعمل؟، لماذا تكره بعض العمامات البلاطى البيضاء؟، سألت نفسى هذا السؤال وأنا أتابع أخبار الأوامر الشفوية التى صدرت للأطباء الأفغان بمنع زراعة القرنية، وقبلها منع حملات لقاح شلل الأطفال عبر طرق الأبواب من منزل لمنزل، مما عطل إعلان خلو العالم من شلل الأطفال، بفضل تلك المنطقة التى لديها مرض فوبيا الطب وتحريم نعمة العلاج، خوفاً من أن يسحب الطب البساط من تحت أقدام رجال الدين والمجاهدين الأفغان!!،

لكن طالبان لم تكن الأولى فى رحلة كراهية العمامات والقلنسوات والعباءات واللحى الكثيفة والجلاليب القصيرة للطب والعلاج، ولن تكون الأخيرة فى رحلة الزمن، خوف عباءة الدين خلفه تصور عجيب، يجعل المرض رسالة عقابية، ويحوّل مقاومته إلى اعتراض على مرسلها. فيصبح الميكروب رسول تأديب،

والطبيب متهمًا بتعطيل العقوبة! والمفارقة أن أصحاب هذا المنطق يبنون السدود لمقاومة الفيضان، ثم يترددون أمام حقنة تقاوم فيروسًا، كأن قوانين الطبيعة تُحترم فى الهندسة وتُهان فى العيادة!، نفس الكلام الذى قاله الشيخ الشعراوى عندما رفض زرع الأعضاء لأنه يعتبر تعطيلا لمشيئة الله، قاله من قبل القس إدموند ماسى عندما ألقى عظة ضد التجدير، وهو إجراء سبق لقاح جينر للوقاية من الجدرى، وصف القس هذا الإجراء بأنه ممارسة خطرة وآثمة.

واعتبر الأمراض امتحانًا إلهيًا أو عقابًا على الخطايا، ورأى فى الوقاية منها تدخلًا فى الإرادة الإلهية!، وكانت آية «بالوجع تلدين أولاداً»، سداً منيعاً أمام التخدير فى عملية الولادة، ففى القرن التاسع عشر، واجه جيمس يونج سمبسون اعتراضات دينية على استخدام التخدير فى الولادة، حتى خصص فى كتابته سنة ١٨٤٧ ردًا عليها. استُدعيت آلام الولادة لتبرير استمرار الألم، وكأن الأم تحتاج، فوق مخاطر الوضع، إلى حارس ومراقب يتأكد أنها تتوجع بما يكفى. ثم فرض العلم كلمته، واتسع قبول التخدير، وكان استخدام الملكة فيكتوريا له سنة ١٨٥٣ عاملًا مساعدًا. بقيت المرأة تلد، ولم تسقط السماء حين خف صراخها، وحتى هذه اللحظة يرفض شهود يهوه نقل الدم استنادًا إلى تفسيرهم للنصوص التوراتية، مع أنهم يقبلون معظم أشكال العلاج الأخرى، ولو كنا سمعنا اعتراضات رجال الدين على تطعيم الجدرى، لكان العالم قد انقرض، كان اعتراضهم أن لقاح جينر مأخوذ من جدرى البقر، وأن إدخال مادة مصدرها حيوان إلى جسد الإنسان أمر ينافى مكانته التى منحه الله إياها.

اعتبروا هذا خلطًا غير مقبول بين الإنسان والحيوان، ووصف بعض المعارضين التطعيم بأنه «غير مسيحى»!، واختلط الاعتراض الدينى بخوف شعبى من أن تنقل المادة البقرية إلى الإنسان صفات الحيوان؛ وظهرت رسوم ساخرة تُصوّر المطعّمين تنبت من أجسادهم أبقار أو قرون، وفى شمال نيجيريا ٢٠٠٣ شجّع قادة دينيون وسياسيون مقاطعة لقاح شلل الأطفال، وسط شائعات بأنه مؤامرة لإصابة المسلمين بالعقم. توقفت حملات فى ولايات شمالية، خصوصًا كانو، ووثّقت مراكز مكافحة الأمراض الأمريكية عودة تصاعد انتقال الفيروس بسبب تعليق التطعيم. ووفق شهادة نشرتها منظمة الصحة العالمية، بقى ٣٫٧ مليون طفل فى كانو وحدها دون تطعيم، وفى وثيقة «هبة الحياة» Donum Vitae، رفض الفاتيكان الإخصاب خارج الجسم حتى باستخدام بويضة الزوجة وحيوان منوى من زوجها.

المبرر أن الإنجاب يجب أن يكون ثمرة العلاقة الزوجية، وأن التقنية تحل محلها، وفى ٢٠٠٩ دخلت امرأة حامل تعانى ارتفاعًا شديدًا فى ضغط الشريان الرئوى إلى مستشفى سانت جوزيف بفينيكس أريزونا. رأى الأطباء أن استمرار الحمل يهدد حياتها، ووافقت لجنة الأخلاقيات، ومن أعضائها الراهبة مارجريت ماكبرايد، على إنهائه، اعتبر الأسقف توماس أولمستد الإجراء إجهاضًا مباشرًا محظورًا، وأعلن وقوع الراهبة تحت الحرمان الكنسى. ثم سُحبت صفة «كاثوليكى» من المستشفى، وفى كينيا ٢٠١٤ عارض مؤتمر الأساقفة الكاثوليك حملة تطعيم النساء ضد التيتانوس، وزعم أن اللقاح يحتوى مادة تُستخدم للتحكم فى الخصوبة، وأن الحملة تخفى برنامجًا لتعقيم النساء.

هناك قصص وحكايات عن هذا الصراع الدينى الطبى، تضيق المساحة عن ذكرها فهى تحتاج إلى مجلدات، لكن يظل السؤال معلقاً ومستفزاً، لماذا تلك الكراهية والغضب والفوبيا؟.

omantoday

GMT 21:24 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 21:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 21:22 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حول حقوق الأقلّية العربيّة في إسرائيل

GMT 21:20 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

دعوة إلى الفكر والتفكير

GMT 21:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

بلفور... متى يعتذر؟

GMT 21:17 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

القمة الروسية والجائزة الاستراتيجية الأفريقية

GMT 21:16 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل تقع ضربة نووية على إيران قبل السابع من نوفمبر؟

GMT 21:14 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تكفير الطب وتحريم نعمة العلاج تكفير الطب وتحريم نعمة العلاج



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - عُمان اليوم

GMT 10:45 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هاري كين يواصل مشواره مع بايرن ميونخ بعقد جديد حتى 2029
 عمان اليوم - هاري كين يواصل مشواره مع بايرن ميونخ بعقد جديد حتى 2029

GMT 09:44 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 عمان اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 20:46 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 11:03 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon