بقلم - عبد اللطيف المناوي
يبدو أن إدارة الولايات المتحدة، بما فيها من حروب وأزمات اقتصادية وصراعات مع الكونجرس، لا تستنفد طاقة الرئيس ترامب كاملة. فمازال لديه وقت لمتابعة كرة القدم، وانتقاد خطط المدربين، وإبداء رأيه فى الطرد والإيقاف، والتدخل فى شؤون «الفيفا»، بل والمشاركة بصورة غير مباشرة فى إعادة رسم مستقبله التجارى.
هذه ليست مجرد طرافة رئاسية. خلف المشهد قصة عن التداخل المتزايد بين الرياضة والسياسة والمال، تناولها بيتر رودجرز فى مجلة «مودرن دبلوماسى»، متسائلًا: هل مازالت أقوى مؤسسة رياضية فى العالم مستقلة، أم أصبحت شديدة الارتباط بالنفوذ السياسى والمالى الأمريكى؟
بعد فضائح الفساد التى أطاحت بقيادات بارزة فى «الفيفا»، جاء جيانى إنفانتينو إلى رئاسته عام ٢٠١٦ حاملًا وعدًا باستعادة النزاهة والشفافية. لكنه سرعان ما اعتمد على بناء علاقات شخصية مع رؤساء الدول، وكانت علاقته بـ«ترامب» الأكثر وضوحًا وإثارة للجدل.
أصبحت لقاءات الرجلين متكررة، وظهر «إنفانتينو» فى مناسبات سياسية أمريكية، كما انضم إلى المبادرات المرتبطة بالبيت الأبيض. ومن جانبه، لم يعامل «ترامب» كأس العالم باعتبارها بطولة تستضيفها الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك فقط، بل كمشروع سياسى وتجارى يضاف إلى سجل إدارته.
بلغ التداخل ذروته عندما طرحت قيادة «الفيفا» خطة لإنشاء شركة تدير الحقوق التجارية لبطولاتها، وفى مقدمتها كأس العالم، وبيع حصة تبلغ نحو ٢٠٪ منها لمستثمرين مقابل ٤.٢ مليار دولار، بما يقدر قيمة الكيان الجديد بنحو ٢٠ مليارًا. وكان من بين المستثمرين المحتملين شركة مرتبطة بجوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر، صهر «ترامب».
هنا لم تعد المسألة صورة تجمع رئيس دولة برئيس «الفيفا»، بل احتمال انتقال جزء من أثمن أصول كرة القدم العالمية إلى شبكة استثمارية قريبة من العائلة الرئاسية. صحيح أن الصفقة لم تتم، ولا يوجد دليل على أن «ترامب» كان سيملك حصة فيها، لكن تضارب المصالح السياسى والأخلاقى كان واضحًا بما يكفى لإعلان الرفض.
عارض الاتحاد الأوروبى لكرة القدم الخطة، وانضمت إليه اتحادات آسيا وأمريكا الشمالية، وظهر تهديد غير مسبوق بمقاطعة مسابقات «الفيفا». وتحت ضغط الاعتراض، سحب «إنفانتينو» المشروع، لكن التراجع لم يُنهِ الأزمة. أعلن «يويفا» فقدان الثقة فى قيادته، وطالب مع آخرين بمراجعة مستقلة.
ودخل الكونجرس الأمريكى إلى الملعب بدوره. بدأ الديمقراطيون فى لجنة القضاء التحقيق فى علاقات «إنفانتينو» بإدارة «ترامب»، وطالبوه بتقديم معلومات والمثول أمامهم. وإذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب فى انتخابات التجديد النصفى، فقد يتحول التحقيق إلى مشكلة حقيقية لكل من «الفيفا» والبيت الأبيض.
المفارقة أن «ترامب»، المعروف بأنه يفضل اتخاذ القرار بنفسه، لم يكتفِ بالإدارة والسياسة. فقد علّق على تكتيكات المنتخبات، واعترض على فكرة الطرد، ونُسب إليه تدخله لرفع إيقاف لاعب أمريكى. وكأن العالم لم يعد أمام رئيس للولايات المتحدة فقط، بل أمام محلل رياضى وعضو لجنة مسابقات ومدير فنى احتياطى!.