اليمن التعيس اليوم كان شطر منه يسمى «اليمن السعيد»، ولكنه يعاني اليوم تسلط جماعة من بعض أهله على الباقين، تريد حكم اليمن كله بلا شرعية مجتمعية ولا حتى انتخابات. هي مجرد جماعة لا تمثل جميع اليمنيين لا عددياً ولا عقائدياً، هي جماعة الحوثي التي عُرفت طوال سنوات بأنها جماعة تتحدر من عائلة واحدة، تختبئ خلف مذهب ديني، رغم أن أغلب أتباع وأنصار هذا المذهب ليسوا من الحوثيين، مما يعني أنها جماعة عائلية وليست طائفة دينية مضطهدة كما تزعم.
مشكلة جماعة الحوثي هي محاولتها صبغ اليمن بلون واحد، وهذه مغالطة كبيرة؛ كون الحوثيين مجموعة لا تمثل جميع الأطياف في اليمن، وهذا ما تحاول إيهام الناس بعكسه.
مشاركة جماعة الحوثي في معادلة السلام باليمن مشروطة بالتخلي عن السلاح، والتحول إلى حزب سياسي يمكنه أن يكون ضمن المعادلة السياسية، أما بقاء السلاح فيجعلها في تصنيف «الميليشيا». ومن اشتراطات تحولها السياسي ألا تكون بندقية للغير، يحركها ويستخدمها كذراع داخل اليمن.
الحوثيون، بوضعهم الحالي، عبارة عن جماعة منغلقة داخل اليمن، ولا تخضع للقوانين المحلية للدولة ولا حتى الدولية، ولا لغيرها، وبالتالي تصعب ملاحقة أفرادها الذين هم في عمومهم مغرر بهم، يظنون أن ما يقومون به هو «جهاد ضد الشيطان الأكبر»، بينما واقعه هو مجرد عبث يضر باليمنيين قبل جيرانهم.
ولعل هجمات الحوثيين على جنوب المملكة العربية السعودية تؤكد أن هذه الجماعة لا تخضع لأي قوانين ولا أعراف؛ بل تحتكم للسلاح والفوضى، وتتصرف كميليشيا مسلحة فقط، ولهذا لقيت أفعالها هذه إدانة واسعة دولية وعربية، منددة بهجماتها ضد السعودية الأمر الذي يُعتبر «تصعيداً خطيراً يمثِّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتقويضاً للأمن والاستقرار الإقليميين».
ولعل تصريح الخارجية الأميركية بأن «أميركا تشدد على أن جماعة الحوثي منظمة إرهابية أجنبية»، مشيرة إلى أنها «ستحمي حرية الملاحة في البحر الأحمر» يجعل أي محاولة لإعادة احتواء الحوثيين في أي مشروع سياسي في اليمن -خصوصاً بعد أن تخلى الحوثيون عن التمسك بالهدنة القائمة وعرقلة استئناف المسار السياسي برعاية الأمم المتحدة- تواجه صعوبات تصل لرفض احتوائهم؛ خصوصاً من الجانب الأميركي.كما أن محاولة جماعة الحوثي الزعم بأنها حركة «تحرر وطني» في حين أن مكونها عائلي قبلي منغلق، تجعلها لا تصلح لتمثيل جميع اليمنيين وإن كانت جزءاً منهم، ولهذا فعليها أن تتصالح مع بقية اليمنيين أولاً، لو أرادت أن تكون جزءاً من المشهد السياسي اليمني.
وفي ظل نفي علاقة جماعة الحوثي بالخارج، وأنها مجرد حركة «وطنية» كما جاء في الخطاب الحوثي المتكرر؛ فإن علاقتها بالخارج واضحة المعالم؛ بدءاً من التمويل والتسليح، ما جعل منها «حصان طروادة» لاحتلال اليمن وضمه لمناطق نفوذ. هي حالياً ليست متماسكة كما تظهر؛ بل تعاني من تصدعات وانشقاقات وصراع زعامات بين قياداتها.
كما أن أفعال الحوثيين في البحر الأحمر، من تهديد للممرات الملاحية الدولية، وتهديد للتجارة البحرية العالمية، تجعل من معادلة السلام أكثر صعوبة، ولا تخدم التعايش السلمي مع جوار اليمن، وتجعل منهم جزءاً من المشكلة وليس الحل، ما لم يعد قادتهم إلى رشدهم.
وتبقى مشاركة الحوثي في حكم اليمن -كجماعة سياسية وليست كميليشيا- مرهونة بتوقفها عن التمرد على الشرعية، وقبولها بالحلول السلمية، حتى تصبح شريكاً في المعادلة السياسية لا العسكرية، وتصبح بعد كل ذلك حزباً سياسياً منزوع السلاح، فحينها يمكن القبول بها كجزء من الحل، بعدما كانت جزءاً من المشكلة، وخصوصاً أن جماعة الحوثي عندها امتداد شعبي وجغرافي مهم، يمكِّنها من أن تكون شريكاً في معادلة السلام إذا تخلت عن منهج العنف والعمل المنفرد عن الدولة، في مواجهة الخارج؛ بل وحتى الداخل اليمني.
إن إصلاح جماعة الحوثي وإعادة إنتاجها بشكل مسالم، يمكنها من المشاركة السياسية الكاملة في «اليمن السعيد» كله، كما كان في الماضي، وبذلك يمكن التصالح مع الحوثيين بثوبهم الجديد إن صدق وعدهم.
ومن متطلبات التصالح مع الحوثيين يمنياً قبل المحيط الإقليمي، تغيير سلوكهم في محاولة السيطرة على عموم اليمن وفرض أجندتهم ومعتقدهم على الجميع.
ويبقى السؤال: هل يمكن إصلاح الحوثيين وإشراكهم في معادلة السلام باليمن؟