المؤشرات ترتفع في بورصة الهجرة

المؤشرات ترتفع في بورصة الهجرة

المؤشرات ترتفع في بورصة الهجرة

 عمان اليوم -

المؤشرات ترتفع في بورصة الهجرة

جمعة بوكليب
بقلم - جمعة بوكليب

العلاقة بين البحار والأنهار والهجرة ليست وليدة اللحظة. كانت المياه دوماً شريان حياة للباحثين عن أمل جديد، أو طوق نجاة للهاربين من مخالب الفقر والمجاعة، أو الفارين بعقائدهم من الاضطهاد والموت. لكن ما شهدته مدينة سبتة الإسبانية يوم الخميس الماضي، يتسق والعلاقة المذكورة، إلا أنه كان غريباً من نواحٍ عدة؛ فقد بدأ الحدث وانتهى سريعاً، وكان استثنائياً لدى المقارنة بموجات الهجرات الكبيرة السابقة. قبل أيام من حدوثه، كانت الأنظار مسلطة على ما يحدث في القنال الإنجليزي من أنشطة قوارب المهاجرين الواصلة إلى السواحل الإنجليزية، فإذا بالحدث في سبتة يبرز، ويرفع مؤشرات بورصة الهجرة على نحو غير معهود.

60 ألف شخص - وفقاً للإحصاءات المعلنة - عبروا البوابة المغربية في 24 ساعة على شكل طوفان بشري ليس في المقدور صده. وخلال 24 ساعة أخرى أُعيدوا من حيث جاءوا، باستثناء ألفين رفضوا العودة، و67 شخصاً قضوا غرقاً أو دهساً تحت الأقدام، حسب التقارير الإعلامية.

تعاونت الحكومتان الإسبانية والمغربية في تجميع المهاجرين وإعادتهم لِيُغلق الملف ظاهرياً؛ فبدا للمراقب كأن ما حدث عرض سينمائي مرعب بدأ وانتهى. لكن الشريط المذكور ليس عادياً، بل ينتمي إلى نوعية معينة ومميزة من العروض السينمائية، التي لا يتوقف الحديث عنها لسنوات، باعتبارها محطات مهمة وتاريخية يشار إليها في النقاشات، وتعقد حولها الندوات.

أول ردود الفعل السياسية المثيرة للاهتمام جاء من بروكسل. رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دعت على وجه السرعة 23 رئيس حكومة إلى اجتماع افتراضي لتدارس ما حدث بناءً على طلب من رئيسة الوزراء الإيطالية، تأكيداً على أن الملف لم يغلق. وقياساً بما حدث في السابق، من الممكن التكهن بنوعية ما سيسفر عنه الاجتماع المذكور من قرارات وإجراءات.

في خضم هذا الزخم من الأرقام والإحصاءات والتصريحات والأخرى المقابلة والاتهامات والاجتماعات الافتراضية وما يليها، يغيب سؤال بسيط: لماذا يحدث ما حدث؟ ومن هم هؤلاء الناس؟

ستون ألف عابر أو مهاجر؛ سبعة وستون منهم قضوا غرقاً ودهساً تحت الأقدام خلال ساعات قليلة، وألفان منهم رفضوا للعودة. التقارير الإعلامية تقول إنهم ينامون في العراء ومحرومون من الطعام والشراب، وعازمون على مواصلة ما بدأوه. أهالي سبتة أغلقوا أبواب بيوتهم ومتاجرهم ومقاهيهم ومطاعمهم ورفضوا تقديم أي عون. مراسلة صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية ذكرت أن المهاجرين جاءوا من بلدان عدة؛ من بينها اليمن وليبيا!

المهاجرون سواء من قبل منهم بالعودة أو من رفضها، أو من مات منهم تحولوا سريعاً إلى أرقام في إحصائية تتكرر في كل نشرة إخبارية، تُراجَع وتُحدَّث مثل أرقام في مؤشر بورصة. وكلهم بلا وجوه ولا أسماء ولا حكايات، يصنّفون تحت مصطلح «مهاجرون غير قانونيين».

في المقابل، نحن نعرف بالتفصيل من دعا لاجتماع بروكسل وماذا سيناقش، وسمعنا وقرأنا عن استهجان رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين، في تعليقها في ما وصفته بـ«الصور غير المقبولة» التي نقلتها القنوات التلفزيونية للحدث مباشرة. وسمعنا كيف علّقت إيطاليا بسرعةٍ العمل باتفاقية «شنغن» في موانئها الجوية والبحرية أمام القادمين من إسبانيا. السياسة وحدها، كالعادة، احتفظت بأسمائها ووجوهها وتواريخها ومواقفها، بينما ذاب آلاف البشر في إحصائية.

هذا ليس تقصيراً عابراً في التغطية، بل هو نمط متكرر لاحظناه في كل «أزمة هجرة»: الحدثُ يُختزَل في الإعلام لحظياً إلى صراع بين حكومات، والضحايا يتحولون سريعاً إلى أرقام في إحصاءات باردة؛ تُستخدَم أوراقَ ضغط دبلوماسية، وفي تلك الفوضى يختفي السؤال: أليس من حل إنساني للأزمة أو للظاهرة؟

التاريخ يعلّمنا أن البحار وجدت لتكون معابر وجسور مفتوحة، وأن الأرقام التي يتولى الإعلام أرشفتها في إحصاءات اليوم ستزداد حتماً غداً، لأن الأسباب المؤدية إلى ما حدث لا تزال قائمة.

أي ملف أزمة هجرة يُعلن إغلاقه رسمياً في بروكسل أو مدريد أو روما أو لندن، يظل مفتوحاً في أزقة الأحياء الفقيرة في أقصى بلدان أفريقيا وغيرها، طالما بقي الدافع إلى الهجرة أقوى من خشية الموت، بالنسبة إلى بشر ليس لديهم ما يخسرونه.

سيمضي الاجتماع الأوروبي الافتراضي، وتُصاغ البيانات الختامية بلغة دقيقة ودبلوماسية باردة، ومن المحتمل أن تُشدد الحراسات وتُعدَّل القوانين، لكنها جميعاً لن تفاجئنا. بل ستظل، كالسابق، معالجات قاصرة على التعامل مع نتائج الظاهرة وليس أسبابها. ومن المؤكد أن يظل البحر ميداناً لمعارك كر وفر لا تنتهي رغماً عما تضعه الحكومات الأوروبية من نقاط رصد ومراقبة وتفتيش وأجهزة إلكترونية.

ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها؛ وهي أن تنقّل البشر من مكان إلى آخر بحثاً عن حياة إنسانية كريمة لا يمكن وقفهم بقرار أو اختزالهم في اجتماع طارئ يعقده سياسيون، وليس بهدف إيجاد حلّ إنساني ودائم للظاهرة.

omantoday

GMT 16:46 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

لا خيل

GMT 16:45 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

قراءة في مجلس الملك

GMT 16:44 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

ترمب: لكن في النهاية... كلنا سنموت على أي حال

GMT 16:43 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

إذ يتحرّق الحوثيّون لمقاتلة إسرائيل من لبنان

GMT 16:41 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

لبنان بين الفرنسة والفرسنة

GMT 16:40 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

الحياد أمام مأساة إنسانية!

GMT 16:39 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

الشعارات الخادعة والواقعية الناجحة

GMT 16:37 2026 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

السياب... دائماً

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المؤشرات ترتفع في بورصة الهجرة المؤشرات ترتفع في بورصة الهجرة



إطلالات المشاهير في اليوم الوطني السعودي تجسد هوية الوطن برؤية معاصرة

الرياض - عُمان اليوم

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:24 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon