ليبيا تفوّق الواقع على الخيال

ليبيا... تفوّق الواقع على الخيال

ليبيا... تفوّق الواقع على الخيال

 عمان اليوم -

ليبيا تفوّق الواقع على الخيال

جمعة بوكليب
بقلم - جمعة بوكليب

يرى النقادُ أنَّ عدمَ الخضوع للعقل والقواعد المنطقية هو ما يميّز المدرسةَ السُّوريالية في الفنّ والأدب. ويوضحون أنَّ الرسومات الغريبة التي يبدعها فنانوها المقصود منها لفتُ انتباهِنا إلى وجود واقع آخرَ مفارقٍ لعالمنا، هو عالم اللاوعي، أي عالم الأحلام.

في تفسير علاقة الأحلام بالواقع يرى بعضٌ أنَّها تشبه مرآة مشوّهة ولكنَّها صادقة. فالأحلام، يقولون، لا تأتي من العدم، بل هي إعادةُ معالجة وصياغة لما نعيشه في يقظتنا، ولكن بلغةٍ رمزية.

بالنسبة لمنظري المدرسة السوريالية، فإنَّ الواقع الظاهري الذي نعيشه في يقظتنا ليس سوى نصف الحقيقة. الحقيقة الكاملة - في نظرهم - تكمن في دمج عالم اليقظة مع عالم الأحلام لخلق ما سموه «الواقع الفائق» (Super-reality)، حيث يتحرر الإنسان من قيود الزمان والمكان. لأن المكان يُقيّد الحركة، والزمان يُقيّد البقاء.

الحقيقة التي لا يختلف حولها عاقلان هي أن سوريالية الأدب والفن لا تتفوق غرائبيتها على غرائبية الواقع الإنساني. الواقع، في كثير الأحيان، يتجاوز السوريالية ذاتها، ويغدو أكثر جموحاً وغرائبية مما قد يتخيّله أي فنان سوريالي. هذه المفارقة هي ما جعلت كثيرين من المفكرين والأدباء يلاحظون أن السوريالية لم تبتكر الغرابة، بل استعارتها من الواقع وأعادت تنظيمها. فالواقع الإنساني ليس مجرد أحداث منطقية متتابعة، بل هو مليء بما يمكن تسميته «السوريالية المباشرة».

تطبيق هذا المفهوم على المشهد الليبي اليوم يمسّ جوهر التجربة اليومية للشارع؛ حيث يتحول المشهد السياسي والاجتماعي إلى ما يشبه لوحة سوريالية حيّة، تلتقي فيها المتناقضات وتتلاشى فيها الحدود.

تتجلى «السوريالية المباشرة» في ليبيا في أكثر من صورة. أبرزها، في رأيي، التجاور الغريب للمتناقضات. الشيء ونقيضه يعيشان جنباً إلى جنب داخل الإطار نفسه. حيث مظاهر الحياة الفارهة في أكثر تجلياتها. تجاور الفقر المدقع، مع تدفق موجات المهاجرين، وانقطاعات الكهرباء، وخلو المصارف من السيولة، والتهديدات الأمنية المتكررة. إلا أن الحياة بطبيعتها لا تتوقف، بل تستمر بكامل صخبها اليومي، وكأن الناس يعيشون في عالمين موازيين في آن واحد.

ليبيا اليوم تعيش حالة يصعب تفسيرها بأدوات العلوم السياسية أو المنطق وحده. هي حالة تتداخل وتختلط فيها مفاهيم الحلم والكابوس، المنطق واللامنطق، لتصبح، إن أمكن الوصف، حالة سوريالية حياتية يتنفسها الشارع ويحاول التأقلم مع مفارقاتها.

في الأيام القليلة الماضية، ومن دون مقدمات، أُضيفت لمسة خارقة لتلك اللوحة: إعلانٌ من مدينة جنيف، في سويسرا، عن اختيار شخصية جديدة لرئاسة ما وُصف بـ«حكومة ليبية موحدة». الحكومة المعلنة من تلك المدينة البعيدة، جغرافياً وسياسياً، تُعدّ ثالثَ تشكيل حكومي يتزامن مع حكومتين قائمتين. الأولى في غرب البلاد، والثانية تمتد في شرقها وجنوبها. الاسم المعلن لقيادة المجلس الرئاسي شخص اسمه مصطفى المجدوب، وآخرون يسمونه مصطفى المشاي. الشخص المعني مجهول الهوّية. البعض سُخرية ينسبونه إلى الكائنات الفضائية التي تحدث عنها المرحوم الكاتب المصري أنيس منصور في كتابه المعنون: «الذين هبطوا من السماء». وإنصافاً للحقيقة، فهو ليس الاسم الأول، ولن يكون الأخير في قائمة الذين هبطوا من السماء في ليبيا فجأة بعد فبراير (شباط) 2011.

جاء هذا الإعلان المفاجئ في توقيت لافت. إذ كانت البلاد تناقش مبادرة أميركية، يقودها صهر الرئيس الأميركي مسعد بولس، لتوحيد الحكومتين القائمتين في حكومة واحدة. في خضم السجال بين المؤيدين والرافضين على وسائل الإعلام ومنصات التواصل، طفا الخبر بالإعلان عن تشكيل حكومة ثالثة، وتحوّل مسار النقاش من الخلافات حول تفاصيل توحيد الحكومتين إلى تساؤلات عن هويات الذين هبطوا من السماء فجأة، وأعلنوا تشكيل حكومة، ومن يقف وراءهم، والجهة المنظِّمة لاجتماع جنيف، والممولين.

اللافت أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نفت أي علاقة لها بالاجتماع، أو بمن نظّمه، فيما أكد القائمون المجهولون على المبادرة أنها تنبع من «إرادة ليبية مستقلة!» بعيداً عن المسارات الدولية.

القول بـ«إرادة ليبية مستقلة» بعد أكثر من 15 سنة من استحواذ القوى الأجنبية على القرار الليبي والتحكم في مساراته، تمثل ذروة السوريالية في اللوحة الليبية.

هناك من رأى في الخطوة محاولة وطنية جادة لكسر الجمود. وهؤلاء يمثلون فريق الحالمين، أو بالأصح الواهمين. وهناك من اعتبرها تفتقر إلى أي سند قانوني أو دستوري، يمنحها صفة تمثيلية حقيقية. وهؤلاء من يرون المسألة من ثقب إبرة قانوني ودستوري في بلاد لا قانون فيها ولا دستور إلا قانون السلاح. ولم تصدر حتى الآن أي جهة ليبية رسمية أو دولية موقفاً حاسماً بشأنها.

الرئيس الجديد للحكومة الثالثة وأعضاء حكومته ليسوا، في رأيي، سوى واجهة كرتونية أمامية لجهات عدة أجنبية وعربية وإقليمية ومحلية، تعودت التحرك وراء كواليس معتمة طيلة السنوات الماضية، بغرض لخبطة الأوراق وبهدف مواصلة تأزيم المشهد للإبقاء على الوضعية القائمة.

omantoday

GMT 11:42 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

لا بدَّ من الشعر

GMT 11:41 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

تصنيف الإبياري... اللندني الإخواني

GMT 11:40 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

هل إيلون ماسك معادٍ للمسلمين؟

GMT 11:38 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

إيران و«تمثيل» مصالح العرب!

GMT 11:35 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

هرمزة هرمز

GMT 11:33 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

مارشيلو الأب والابنة

GMT 11:32 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

عودة حرب النجوم بنسختها النووية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا تفوّق الواقع على الخيال ليبيا تفوّق الواقع على الخيال



GMT 09:34 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

5 نباتات صيفية تصمد أمام أشعة الشمس الحارقة
 عمان اليوم - 5 نباتات صيفية تصمد أمام أشعة الشمس الحارقة

GMT 04:38 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الميزان الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 09:07 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج العذراء

GMT 23:29 2017 الخميس ,12 تشرين الأول / أكتوبر

عبارات مثيرة قوليها لزوجكِ خلال العلاقة

GMT 05:19 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 09:21 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الميزان

GMT 18:02 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 19:57 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تضطر إلى اتخاذ قرارات حاسمة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon