المالُ والسياسة عَطبٌ بُنيوي أم أزمةٌ أخلاقية

المالُ والسياسة... عَطبٌ بُنيوي أم أزمةٌ أخلاقية؟

المالُ والسياسة... عَطبٌ بُنيوي أم أزمةٌ أخلاقية؟

 عمان اليوم -

المالُ والسياسة عَطبٌ بُنيوي أم أزمةٌ أخلاقية

جمعة بوكليب
بقلم - جمعة بوكليب

ثمة علاقة بنيوية بين عالم المال والأعمال وبين السياسة. فالشركات الكبرى ورجال الأعمال يحرصون على دعم الأحزاب والشخصيات السياسية بالمال تحت بند «التبرعات»، وهي تبرعاتٌ ليس المقصود بها الصدقة لوجه الله، بل لأغراض لا تخفى على ذي بصيرة. على سبيل المثال لا الحصر، يمكن الإشارة إلى «اللوبي اليهودي» في الولايات المتحدة وما يقوم به من أدوار في شراء دعم السياسيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي مقابل الحصول على الدعم السياسي لإسرائيل. الساحات السياسية على اختلافها تمتلئ بجماعات ضغط مشابهة تعمل لخدمة أغراض متباينة، مما يعني أن هذه الأموال إنما تُدفع بغرض الحصول على «خدمات» وتسهيلات لدى وصول الحزب أو الشخص إلى مركز القرار.

هذه الأيام، تنقل إلينا وسائل الإعلام البريطانية آخر التطورات حول التحقيقات التي ينوي البرلمان البريطاني إجراءها مع زعيم حزب الإصلاح، نايجل فاراج، بسبب تلقيه مبلغ 5 ملايين جنيه إسترليني من رجل أعمال مقيم في تايلاند، دون تسجيلها في السجل البرلماني الخاص كما تقتضي اللوائح، بحجة أنها وصلته «هدية شخصية» لتغطية تكاليف حراسته، وأنه استلمها قبل دخوله البرلمان.

ما حدث مع نايجل فاراج ليس سابقةً فريدةً، بل هو تأكيد على أن الخلل بنيوي في المنظومة برمتها وليس مجرد حالة فردية. هناك سجلات موثقة بمئات، إن لم يكن بآلاف الحالات المشابهة؛ ذلك أن العلاقة بين المال والسياسة تاريخية وضاربة الجذور، وهي بمثابة لعبة يلعبها الجميع، لكن بنظم وقواعد متغيرة حسب الزمن والظروف. وبالطبع، فإن للعبة استثناءات؛ إذ لا يزال هناك من أهل السياسة من يأتونها من الباب الأمامي، مدفوعين بمبادئ وأخلاق اعتنقوها إيماناً بها، لكنهم - وهذا رأي شخصي - أضحوا قلة نادرة في السنوات الأخيرة.

الأمر لا يقتصر على التبرعات المالية للحملات الانتخابية، بل يمتد ليشمل هدايا ثمينة ورحلات سفر وإجازات في منتجعات راقية. فرئيس الحكومة البريطانية، السير كير ستارمر، وزوجه، واجها تقارير إعلامية بعد فترة قصيرة من توليه السلطة تفيد بحصولهما على ملابس من ماركات غالية الثمن من أحد أنصار الحزب (وهو رجل أعمال معروف وعضو في مجلس اللوردات). الكشف عن تلك الهدايا لم يفضِ إلى محاسبة حقيقية، بل سرعان ما طويت الصفحة تحت شعار: «يا دار ما دخلك شر». وقبل ذلك، كانت فضيحة بوريس جونسون وتكاليف تجديد مقر إقامته في «داوننغ ستريت» بتمويل من رجل أعمال.

هذه الأمثلة هي قليل من كثير، وليست حكراً على بلد دون آخر؛ فنحن إزاء ظاهرة عالمية تنتقل من مرحلة إلى أخرى بمستويات مختلفة، وصولاً إلى بلدان تتولى فيها عصابات الجريمة المنظمة تمويل حملات انتخابية رئاسية لأهداف معلومة.

في نهاية المطاف، تظل هذه الفضائح التي تطفو على السطح مجرد قمة جبل الجليد لواقع سياسي عالمي بات محكوماً بلغة المصالح ويضيق فيه الهامش أمام المبادئ. يوماً إثر آخر، وتترسخ القناعة لدى الشعوب بأن العملية الديمقراطية أصبحت لعبة باهظة الثمن مالياً وأخلاقياً، لا يدخل مضمارها إلا من يمتلك رصيداً ضخماً، أو من يقبل أن يكون رهينة لمموليه. إنها الدورة التي تجعل من النزاهة استثناءً، ومن الاغتناء الشخصي قاعدةً غير مكتوبة. وتظل الحقيقة المُرة قائمة: السياسة التي تُمول من غرف مغلقة لا يمكن أن تخدم الصالح العام في الهواء الطلق. والسياسة التي تحولت في وعي الكثيرين من «رسالة عامة» إلى «استثمار خاص» ستؤدي حتماً - مع تآكل الوازع الأخلاقي على نحو يدعو للقلق - إلى تحوّل الحكومات في الكثير من عواصم العالم لمجرد إدارات لخدمة الممولين.

omantoday

GMT 03:47 2026 الأحد ,21 حزيران / يونيو

تخصيب «حزب الله» وتسمينه

GMT 03:39 2026 الأحد ,21 حزيران / يونيو

أوان ما بعد العالم الذي عرفناه

GMT 02:13 2026 الجمعة ,19 حزيران / يونيو

تفاهم... أم هدنة أميركية واستراحة إيرانية؟

GMT 16:58 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب

GMT 05:49 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المالُ والسياسة عَطبٌ بُنيوي أم أزمةٌ أخلاقية المالُ والسياسة عَطبٌ بُنيوي أم أزمةٌ أخلاقية



هيفاء وهبي بإطلالات رياضية أنثوية تجمع بين الراحة والفخامة

بيروت - عُمان اليوم

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 20:35 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon