هناك أفعال تفد إلينا من خارج المجتمعات الإنسانيّة لكنّها تُنبئنا بأنّ شيئاً سيّئاً سوف يطرأ. فقد تردّدَ مثلاً أنّ فِيَلَة في سريلانكا وتايلاند نزحت، قبيل ضرب تسونامي المحيطَ الهنديّ، إلى جبال البلدين ومرتفعاتهما. وقيل إنّ الفيلة تسمع الموجات الصوتيّة منخفضة التردّد أو تشعر باهتزازات الأرض قبل أن يشعر البشر. ويشار إلى حالات مشابهة كاختباء القطط قبل وقوع الزلازل، أو مغادرة طيورٍ أعشاشَها عشيّة انفجار البراكين...
وفي لبنان إشاراتٌ من هذا الصنف وإن كان مصدرها المجتمع الإنسانيّ، لا عالم الحيوان. فهناك «أحزاب وقوى وشخصيّات» لا ينمّ الإكثار من ظهورها في الإعلام، أو إفراطها في إصدار البيانات والتصريحات وعقد المؤتمرات الصحافيّة، إلّا عن اقتراب كارثة سوف تحصل أو يُراد لها أن تحصل.
ووفق تجارب سابقة كثيرة يصدح صوت تلك الجماعات حين يكون البلد في ظرف عصيب، فيما يريد البعض التعاطي معه من خارج المؤسّسات المنتخبة، وإيكال أمره إمّا إلى قوى غير لبنانيّة أو إلى قوى لبنانيّة متمرّدة على الشرعيّة ومؤسّساتها. وهذا ما يستدعي بالضرورة شتم الدولة ووصم رموزها بالخيانة، وقراراتها بالعار، وأحياناً التهديد الصريح بالحرب الأهليّة.
هكذا، وعلى عجل، يتمّ إيقاظ هذه «الأحزاب والقوى والشخصيّات» من سُباتها، فتدلي بدلوها إصداراً لبيان أو إبداءً لموقف، بما يصبّ زيتاً على أوضاع ملتهبة، قبل أن تغطّ مجدّداً في نومها العميق.
والحال أنّها جماعات تميّزها، أقلّه منذ حرب 1975، بضع صفات يفسّر بعضُها الآخرَ ويكمّله:
فهي مذّاك تلتحق بقوى أكبر منها، كمنظّمة التحرير الفلسطينيّة والبعثين السوريّ والعراقيّ وأخيراً «حزب الله». والقوى هذه، التي تزوّدها بالمدد تمويلاً وتسليحاً ومكاتبَ وخدماتٍ، فتسمح لها بالبقاء على قيد الحياة، لا يجمعها بتلك الجماعات «العقائديّة» إلّا القليل من العقائد.
أمّا رغبة القوى المتبوعة بنفخ الروح في الجماعات التابعة فمردّها أنّ الأخيرة تمتلك اسماً معروفاً ومألوفاً، أو وضعاً قانونيّاً، أو ما قد يُعتبر شرعيّةً تاريخيّة في بيئة ضيّقة ما. بيد أنّ التابعين ما إن يُبدوا إشارة تُفهم على أنّها اعتراض أو تمايز، حتّى يضطهدهم المتبوع وقد يقتل أفراداً بارزين في صفوفهم، دون أن يجرؤ أهل القتيل على تسمية القاتل.
لكنّها أيضاً جماعات دُفعت، أو اندفعت، إلى خارج أسئلة الزمن. فأغلب قواعدها الشعبيّة هجرها وانحاز إلى كتله الأهليّة والطائفيّة، فيما رُعاتها الكبار، خصوصاً النظام السوريّ السابق و«حزب الله»، وجّهوا لها ضربات مُميتة متتالية. والأهمّ أنّها أصيبت، أو أصابت نفسها، بفصام يشقّ أفكارها ويفصلها عن كلّ واقع. فبين هذه الجماعات كثيراً ما يتحدّث الشيوعيّون، وأصولهم تعود إلى عشرينات القرن الماضي، كما لو أنّهم ليسوا على بيّنة من سقوط الكتلة السوفياتيّة، ويفوتهم أنّ عمّال العالم ما عادوا يستخدمون المطارق، وأنّ فلاّحيه كفّوا عن استخدام المناجل. أمّا «السوريّون القوميّون»، وهم نشأوا في 1932، فيثير الشفقة، أمس قبل اليوم، رهانهم على الجماجم المفلطحة وانتماء قبرص إلى «الأمّة» بوصفه طريقاً إلى الفَلاح. وهذا ناهيك عن الصليب المعقوف والزعامة والزعيم الذي قال لهم إنّ فيهم قوّة لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ، لكنّها مذّاك لم تفعل إلّا الاغتيالات والمحاولات الانقلابيّة الهزليّة. وإلى هؤلاء ثمّة ثفالات ناصريّة تنتظر هزيمة العدوان الثلاثيّ، وبعثيّة تلوّح بأمّ المعارك أو ببطل التشرينين...
وهؤلاء جميعاً نادراً جدّاً ما فاز أحدهم بمقعد انتخابيّ، ومَن كان منهم يفوز كان يمنّ عليه بالمقعد أحد الرعاة الأقوياء.
وبدورها فالجماعات هذه ليست من الصنف الذي يراجع أو يعدّل ويغيّر تيمّناً بأحزاب اشتراكيّة غربيّة تبنّت اقتصاد السوق، أو بأحزاب محافظة غربيّة اعتمدت أجندات اجتماعيّة ليبراليّة. فمَتْحفيّتها تزداد ويزداد في موازاتها التمسّك بالبقاء على قيد الحياة، لأنّ غريزة بقائها تقتات على وجود القادة والمكاتب والموارد والرموز الحزبيّة، فضلاً عن اسم التنظيم. هكذا يصبح استمرار الوجود هدفاً بذاته حتّى لو اضمحلّت عِلّة الوجود الأصليّة. وفي الحساب الأخير فعِلّة الوجود التي يُعتدّ بها ليست سوى الاستحواذ على الحقيقة المطلقة استحواذاً لا تؤثّر فيه الوقائع ولا تعوزه البراهين.
أمّا التضاؤل هذا فيضاعف حاجة تلك الجماعات إلى الاستظلال، رعايةً وحماية، بالقوى الأكبر التي تؤمّن لتابعيها شروط المضيّ في معاندة الأزمنة والوقائع.
لكنّ الخرق الذي يتراءى أنّه رُقّع هنا ينفتق هناك، فإذا بالانشقاقات تعصف بتلك الجماعات وتصدّعها، على ما نرى اليوم، ولا يبقى جامع يجمعها إلّا العداء للبنان الذي أتاح لها قدراً من الحرّيّة لم تعهده في أيّ من البلدان التي وُجدت فيها.
فهي تشكّلت وتبلورت على حبّ التدخّل والتوجيه والقوّة والعسكرة، وهذه قيم تنفر من الحرّيّة وترى فيها ما يهدّدها. والمدهش هنا أنّ تلك الجماعات التي درجت على تقديم نفسها، متأثّرةً بتلك القيم، مصدراً لدول بديلة، باتت تُستخدَم مسامير في آلات تقويض الدول القائمة وإشاعة السيبة المطلقة.