إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

 عمان اليوم -

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

توالِي إيرانُ هجماتِها العاطفيّة. عبر «إكس»، نشرتْ سفارتُها في بيروتَ خريطةً لبلدِها، وفي قلبِها خريطةُ لبنان، وقد كُتب فوقَها: «لبنانُ هو قلبُ إيران».

وثنائيُّ القلبِ والحبّ، كمَا نعلم، موضوعٌ لثقافاتٍ كثيرة، رغم قولِ العلم إنّ الجهاز العصبيّ مصدر الحبّ. ذاكَ أنَّ البشرَ عاملوا القلبَ بوصفِه مركزَ العواطف، إذْ تثيرُ المشاعرُ القويّة أحاسيسَ جسديّةً منها تسارعُ دقَّاتِ القلب، وكانَ للصّلةِ بينَ نبضِ القلبِ والحياةِ أن أكّدت معادلات كهذه. وبدورِها ذهبتْ ثقافاتٌ قديمةٌ أبعد، فأوكلتْ إلَى القلبِ وظائفَ العقل، ووصفتُه بأنَّه يعملُ من تلقائِه فيختارُ ويكبرُ ويفرحُ وينكسر.

وفي عقودٍ مضت كانَ المراهقون يرسلون رسماً لقلبٍ يخترقُه سهمٌ بوصفه عرضَهم الغراميَّ لفتياتٍ يتهيَّبونَ مصارحتَهنّ. وهذَا رمزٌ يُقال إنَّ مصدرَه «كيوبيد»، تلك الشخصيّةُ الأسطوريّةُ الرومانيّة الذي كانَ يطلق سهامَه فيقع المصابونَ بها في الغرام. وسهمُ الغرام، ككلّ السّهام، يصيبُ من غير استئذان، لكنّ خصوصيَّتَه أنّ جرحَه يجيءُ مصحوباً بالسَّعادة والملذّات.

وقبلَ أيَّام على الخريطةِِ وجَّه «الدبلوماسيّ» إسماعيل بقائي ضربةً عاطفيّةً تشِي بـ«الصَّرمِ بعد الوِصَال». فقد كَتبَ تعليقاً على نقدِ رئيسِِ الجمهوريّةِ اللبنانيّ جوزيف عون سياسةَ إيران: «بيبيع اللي واقف حدّو، وبيشتري اللي واقف ضدّو. بيترك اللي ساندو، وبيمشي ورا اللي خانقو». ولا تخفى دلالة الكتابةِ بالعاميّة التي يُفترض أنّها تعكسُ حميميّةً وتلقائيّةً لا تعكسهما الفصحَى المتكلّفة.

وفيمَا يغدو السَّفيرُ الإيرانيُّ شخصاً غيرَ مرغوبٍ فيه، يضيفُ وزيرَ الخارجيّة عبّاس عرقجي مخاطبةً أخرى لعون تطالبُه بإنقاذِ لبنانَ من عدوّه الحقيقيّ، إسرائيل، لا من إيران. والتَّحذيرُ من نوايا «الغريم»، التي قد تخدعُ الحبيبَ السَّاذجَ، جزءٌ أصيلٌ من عُدّة الكلامِ الغراميّ.

وهذا كلامٌ في العاطفةِ وتقلّباتها. لهذا نراه شديدَ الحضور في القصائدِ والأغاني حيث يحتلُّ الفراقُ والانتقالُ من حالٍ إلى حال مساحاتٍ واسعة. ويحفلُ ديوانُ الشّعرِ العربيّ بأبياتٍ صارت من عيونِ الشعر، كقولِ قيسِ بن الملوّح إنَّه باتَ يمرُّ على ديارِ ليلى فيقبّل «ذا الجدارَ وذا الجدارا»، مؤكّداً أنَّ حبَّ الدّيار ليس ما شغلَ قلبه، بل «حبّ من سكنَ الديارا». ويشكو الأندلسيُّ ابن زيدون حقيقة أنَّ «التنائِي» حلَّ محلَّ «التدانِي»، في علاقتِه بحبيبتِه ولاّدة، كمَا نابَ «التَّجافي» مَنابَ «طيب اللقيا».

ونعرف أنَّ محطّات الانتقالِ صعبةٌ، خصوصاً في المرحلةِ التي تسبق إبرامَ القطيعةِ واكتمالَها. فهنَا يفقدُ الحبيبُ تعريفَه لنفسه كحبيبٍ بدون أن يكسبَ تعريفاً جديداً كحبيبٍ سابق، وهو إحساسٌ مدمّر بالحيرةِ والازدواج. وكانَ محمّد عبد الوهاب مثلاً قد غنَّى كيف «يفكّر في اللي ناسيه» و«ينسى اللي فاكرني»، وذهبت نجاةُ الصغيرة من حيرةٍ المشاعر إلى حيرةِ المواقع فغنَّت: «القريبْ منّك بعيد والبعيد عنك قريب». هذَا وقد ذاعت، قبل عقدٍ ونيّف، أغنيةُ «شخص كنت أعرفه» الإنكليزيّة، لغوتييه وكيمبرا، فأنشدت كيمبرا أنَّ في وسعهما أن يبقيَا صديقين، لكنّ غوتييه، وقد اختلطتِ الأمورُ عليه، ردَّ بأنَّه لم يعدْ يفهم ما يعنيه واحدُهما للآخر.

وقد ربطتْ لبنانَ الرسميّ بإيران، منذ التسعينات، علاقةُ ودٍّ معلن. فالنظامَان لم يكونَا متّفقين في القضايا الأساسيّة فحسب، بل كانَ واحدُهما الأكبرُ يقرّرُ لواحدِهما الأصغرِ شؤونَه المهمَّةَ ومَن يجدرُ بهم تمثيلها.

بيد أنَّ علاقةَ الودّ كانت من صنفٍ غريب. فلبنانُ الرسميُّ لم يكنْ يقولُ عن إيرانَ كلاماً يشبهُ الكلامَ البلغاريّ عن الاتّحاد السوفياتيّ، من أنَّه قائدُ حركةِ التقدّم في العالم. كذلك لم يُعرفْ عن إيرانَ الرسميّة غَزَلٌ بلبنانَ كصيغةٍ سياسيّةٍ أو كسياسة اقتصاديّة أو كطريقة حياة، وظلَّ الطرفانِ المعنيّان يعلّلان ما بينهما من حبّ بالعداءِ لطرفٍ ثالث هو إسرائيل. وهذا ليسَ كافياً لجعلِ الغرامِ غراماً، سيَّما وأنَّ الموانعَ كثيرة. فإيرانُ ليست جاراً مباشراً، ولا شريكاً في لغةٍ أو إنتاجٍ أدبيّ أو مصالحَ اقتصاديّة، ولا هي مصدرُ عمالة، أو مصدرُ علمٍ وتقنيّة، كمَا أنَّ التاريخَ الحديثَ المشتركَ ضيِّقٌ ومحدود. ومعروفٌ تقليديّاً أنَّ البُعدَ الثقافيَّ والروحيَّ للشيعة اللبنانيّين كانَ يقودُهم إلى العراق، لا إلى إيران. أمَّا النظامُ الذِي سبقَ ثورةَ الخمينيّ فلمْ تشدّه إلى لبنان، أو تشدّ لبنانَ إليه، علاقةٌ خاصَّة.

فوقَ هذَا، كانتِ العلاقةُ العاطفيّةُ اللبنانيّة – الإيرانيّة سببَ تخريبٍ لمصالحِ لبنانَ الكثيرةِ والعميقة، أكانَ مع بلدانِ الخليج أم مع بلدانِ الغرب.

وللأسبابِ تلك، كانَ في الحبِّ اللبنانيّ – الإيرانيّ شيءٌ من العشقِ الممنوع الذِي تحولُ دونَه عناصرُ فعليّةٌ ليس تجاوزُها سهلاً. لكنَّه ليسَ ممنوعاً بالمعنَى الذِي كانَه عشق حبيبين فعليّين كروميو وجولييت نجحتِ الكراهية المتبادلة بين عائلتيهما، مونتاغيو وكابيوليت، في قلبِ حبّهما مأساةً.

فهنَا، في حالتِنا، كانَ القسرُ والغصبُ مصدري الحبِّ المعلن الذي افتقرَ إلى أسبابٍ فشلَ الكذبُ، ذو «الحبل القصير»، في التَّستّر عليها. وهذا ما لا تستطيعُه حتّى الاستعانةُ بحافظٍ وسعدي والروميّ – الثالوثِ العظيمِ في أدبِ العشقِ الفارسيّ.

omantoday

GMT 12:05 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

منطق الحل

GMT 12:03 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إيران على مفترق طرق

GMT 12:00 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

الجغرافيا السياسية والاقتصادية والاستراتيجية

GMT 11:58 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

حظر بريطاني تأخر

GMT 11:57 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

صورة النظام الإيراني تعادل تخصيب اليورانيوم

GMT 11:56 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

عشرة أعوام على «بريكست»

GMT 11:54 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

طوفان «التيك توك» وسجالات «التقنين»

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة



GMT 05:26 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في برجك يمدك بكل الطاقة وتسحر قلوبمن حولك

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 05:24 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 22:03 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الضحك والمرح هما من أهم وسائل العيش لحياة أطول
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon