بقلم - عبد المنعم سعيد
تعلمنا فى صفوف العلوم السياسية إدارة الحروب والأزمات والعلاقات الناعمة والخشنة بين الدول والأمم؛ كما تعلمنا فى المقابل إدارة السلام والتنمية وصيانة الحقوق الإنسانية فى الحياة والحرية، وكما أضاف إعلان الاستقلال الأمريكي: السعى نحو السعادة! الغريب أن الدراسة المنفصلة لإدارة الحرب والسلم لم تلق الكثير من الاهتمام باعتبارها أوضاعا متتابعة فالسلام يأتى عادة بعد الحرب بقدر ما تأتى الحروب لأنه أثناء السلام تغيرت موازين القوة، ولاحت تحديات التفوق الذى يسبب العدوان، بقدر ما تختلط العزة بالإثم. وقبل نشوب سلسلة الحروب بعد ما شنته «حماس» على إسرائيل فى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ من غارة أخذت معها المنطقة إلى سلسلة من الحروب التى أدخلت قوة عظمى - الولايات المتحدة - وقوة إقليمية معتبرة - إيران - إلى ساحة الوغى التى تدور فيها إسرائيل بمزيد من التوسع والسيطرة والهيمنة على أراض فى فلسطين ولبنان وسوريا. وكما قيل إن كبرى الحرائق تأتى من مستصغر الشرر فإن غارة حماس أوقعت ١٢٠٠ ضحية مدنية إسرائيلية خارجة معظمها من ساحة موسيقية؛ و٢٥١ مخطوفا باتوا يدفعون ثمن الاحتلال الإسرائيلى لسنوات طالت. من دفعوا أكثر كان من الشعب الفلسطينى ٧٣ ألفا من الضحايا وأكثر من ذلك جرحى ومعهم تدمير قطاع غزة الذى كان يعج بالمستشفيات والمدارس والجامعات وأطفال تضحك ونساء تزغرد ورجال تبحث عن لقمة العيش. الضفة الغربية دفعت ثمنا فادحا هى الأخرى من القتلى والجرحى والتحرش بالأحرار والمسجونين ومعهم مستوطنات شرسة.
المشهد لا يزال فى الحرب الأولى التى انضمت لها حروب قصد بها «المساندة» والتى ظهر أن مهمتها إيقاع الإيذاء وثمنه يدفع من الأراضى اللبنانية والسورية وتحويل اليمن والسودان إلى حروب أهلية. الحروب التالية خلقت حالة من الديمومة للاقتتال والعنف وتعريض الأمن العالمى لأخطار بالغة فى اقتصاده وأمنه وسلامة الممرات المائية. إيران ذات التاريخ العريق تحولت هى الأخرى إلى الدمار بعد القضاء على الشريحة الأولى من النخبة الحاكمة؛ بينما تعرضت زهرات دول الخليج العربى لأكبر عدوان غاشم وهى التى كانت رمزا من رموز التقدم والرفعة. الحرب التى باتت حروبا دفعت بعيدا أمرا هاما رفعته الدول الوطنية الإصلاحية كشرط ضرورى للمزيد من الإصلاح والتقدم هو «الاستقرار الإقليمى». ولكن الهدف بات أكثر بعدا مما كان عليه، فالحرب امتدت من غزة إلى الخليج والبحر الأحمر، وبين مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وبين المحيط الهندى والبحر الأبيض المتوسط.
السلام اختلط بالحرب، والبناء اختلط بالتدمير، وضاع الهدوء واستبد الصخب، وبات العلاج فريسة تصريحات «ترامب» و«مجتبى» التى لا تقل صخبا؛ وأصبحت شعوب المنطقة ضحية مستقبل مفزع من التدمير والكراهية والانتقام. الحرب لم تحقق أى هدف من أهدافها المرصودة، فلا حققت الميليشيات تحريرا ولا حافظت على أرض، ولا حصلت الولايات المتحدة وإسرائيل على أهداف استراتيجية تجعل نشوب حروب أخرى مستحيلا. هل يمكن إدارة الحرب بإدارة السلام بطريقة أخرى؟!