ثورة فى الإعلام أم اختراق لعقول البشر

ثورة فى الإعلام أم اختراق لعقول البشر

ثورة فى الإعلام أم اختراق لعقول البشر

 عمان اليوم -

ثورة فى الإعلام أم اختراق لعقول البشر

فاروق جويدة
بقلم - فاروق جويدة

يشهد العالم الآن عملية اختراق للعقل البشري تحت شعار مواقع التواصل الاجتماعي، وهي سلسلة في منظومة يسيطر عليها وسائل اتصال حديثة تديرها شركات ضخمة تحمل أكثر من جنسية، ولها مصادر تمويل غامضة في أغنى دول العالم.. المنظومة الجديدة تمثل أكبر التحديات للإعلام التقليدي بما فيه الإذاعات والفضائيات والإرسال الأرضي، فقد تختفي القنوات الفضائية وأجهزة التواصل الحديثة.

◙ إن مواقع التواصل الاجتماعي صحيفة جديدة وفضائية متنقلة وقناة تليفزيونية في يد كل مواطن، دون النظر إلى عمره أو ثقافته أو مستوى تعليمه.. إنه يستطيع أن يطلق الأكاذيب والشائعات كما يراها، وأصبح يتمتع بقدرات في التواصل مع البشر بأي لغة وفي أي مكان..إن هذا الجهاز الجديد يقدم للأطفال كل أفلام العنف والإرهاب، بل وصل به الحال إلى تعليم دروس في صنع القنابل والمخدرات وارتكاب الجرائم.. نحن أمام منظومة كونية جديدة قادرة على تشكيل عقل بشري جديد، دون الاستعانة بالطب والتشريح وتغيير مكونات الجنس البشري التي خلقها الله..

◙ إن التعامل مع برامج الذكاء الاصطناعى تجعل عقولنا كتابا مفتوحا. نحن نظن أننا نختار ما نراه، بينما هناك من يراقب ما نختار، وما نحب، وما نكره، وما يستوقفنا، وما يجعلنا نعود مرة أخرى. كل ضغطة وكل تعليق يترك خلفها أثرا يرسم شيئا من ملامح شخصيتنا، حتى يصبح الإنسان في النهاية كتابا مفتوحا لمن يعرف كيف يقرأ هذه التفاصيل.. وقد تكون هذه المعرفة وسيلة لخدمة الإنسان، حين تُستخدم في تطوير الاقتصاد وفهم احتياجات الناس وتسويق المنتجات والخدمات بما يتناسب مع اهتماماتهم.. لكنها يمكن أن تصبح أيضا وسيلة خطيرة للتأثير في المجتمعات، حين تتحول معرفة أفكار الناس ومخاوفهم ونقاط ضعفهم إلى أدوات لإعادة تشكيل وعيهم وتوجيه اختياراتهم.. والأخطر أن التغيير لا يأتي دائما في صورة أمر مباشر؛ قد يأتي في صورة فكرة صغيرة تتكرر، أو صورة، أو مقطع، أو رأي يبدو عابرا، ثم تتبعه أفكار أخرى حتى يجد الإنسان نفسه بعد سنوات أمام قناعات لم يعرف متى بدأت داخله.

◙ إن هناك مراحل جديدة تنتظرها البشرية حين يفرض الذكاء الصناعي سطوته على العقل البشري من خلال مقومات جديدة، وهذا يعني أن الإنسان لم يعد صاحب القرار وأنه لن يكون حرا في قضايا الحريات، لأنها لم تعد سجونا أو معتقلات، لأن الإنسان أصبح حرا بإرادته ولن يخضع لسلطان إنسان آخر يملك سلطة القرار.. إن الإنسان سيكون حرا في ماله وعمله وحياته، وسوف يختار أسلوب الحياة الذي يحب.. إنه قادر على أن يقبل ويرفض ويعترض، لأنه يملك قراره ولن يخضع لإرادة الآخرين.. إنه يستطيع أن يشتري ما يريد وهو في بيته، ويبرم الصفقات دون أن يذهب إلى البنك. لقد أصبح حرا دون وصاية أو رقابة من أحد. هنا سوف تتغير العلاقات بين البشر، وكل إنسان سوف يكون سيد قراره.

◙ وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي ليضع أمامنا سؤالا أكبر: الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الإنسان ويختصر عليه الوقت ويفتح أمامه أبوابا واسعة للمعرفة، لكنه يصبح خطرا حين يتحول من أداة نستخدمها إلى عقل نفكر من خلاله. فإذا توقف الإنسان عن البحث والتحليل والمناقشة، واكتفى بأن يسأل الآلة عن كل شيء، فقد يأتي يوم يعرف فيه الكثير من الإجابات لكنه لم يعد يعرف كيف يصنع سؤالا واحدا بنفسه..

◙ أما وسائل التواصل وإتاحة المساحة لإبداء الرأى فقد فتحت شهية الإنسان على الكلام. أصبحنا جميعا خبراء في السياسة والاقتصاد والدين والطب والفن والرياضة.. أصبح الرأي بدون المعرفة، والصوت الأعلى أحيانا أقوى من الحقيقة.. ولم يعد الإنسان يحتاج إلى أن يقرأ كثيرا حتى يتحدث كثيرا.. المشكلة ليست أن يكون لكل إنسان رأي، فهذا حق طبيعي، وإنما أن يتحول الرأي إلى حقيقة، وأن تتحول سهولة النشر إلى وهم بالمعرفة.. نحن أمام زمن يستطيع فيه الإنسان أن ينشر فكرة في ثوان، وتستطيع الخوارزميات أن تنشرها إلى ملايين البشر، ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع لها صورة وقصة وحكاية تجعلها أكثر إقناعا..

◙ ولهذا فإن المعركة لن تكون فقط على الأرض ولا على الاقتصاد، وإنما ستكون أيضا على عقل الإنسان.. ومن لا يملك وعيا يحمي به عقله،قد يجد نفسه ذات يوم يدافع عن أفكار لم يخترها، ويكره أشخاصا لم يعرفهم، ويؤمن بأشياء لم يبحث عنها، ويظن أنه يعيش حرا بينما هناك من يختار له ما يرى وما يسمع وما يفكر فيه.. لا أعتقد في هذا العالم أنك سوف تنتظر دعما من أحد.. لن تحتاج التليفزيون لكي تشاهد نشرة الأخبار أو اجتماعات المسئولين أو تسمع الغناء الهابط والحروب التي تدور في كل مكان.. سوف تكون حياتك أكثر إنسانية وأكثر رحمة وعدلا، لأنك لن تحتاج إلى كل هذا الصخب المجنون.. جاء الوقت لكي ترتاح قليلا.. قد يرى البعض أن الحياة أصبحت أكثر صخبا وضجيجا، وآن له أن يستريح..

◙ في مائة عام فقط شهد العالم عشرات الحروب، وقتل في حرب واحدة 60 مليون إنسان، ومات الآلاف في فيتنام وأفغانستان والعراق وغزة ولبنان، وقتل الاستعمار آلاف البشر ودمر عشرات المدن واغتصب الأرض واستباح الشعوب، واستخدم السلاح النووي لأول مرة، وما زال الموت والدمار والجوع والفقر يحاصر ملايين البشر.. إن السباق الآن بين سلاح يقتل وشعوب تقاوم الموت جوعا، والجميع يتنافس: من أكثر قدرة على الدمار؟ فهل يمكن أن تعود البشرية إلى إنسانيتها؟ وهل تسبق الرحمة القتل، وتسبق العدالة الظلم والطغيان؟

◙ إن سقوط منظومة الإعلام من سلطانها حدث كبير بكل المقاييس، خاصة أن البديل قد يكون عدوانا على قدرات العقل البشري وما شهده من تطور وإبداع، لأن هذه القدرات تشكلت عبر قرون من الزمان شهدت تجارب إنسانية غاية في الثراء.. وإذا كان البعض يرى عصرا جديدا للتقدم، فقد يراه البعض الآخر نكسة حضارية وإنسانية لا تعوض.. نحن أمام صراع لم تظهر بوادره حتى الآن، قد يقترب من الأديان ومجموعات القيم والأخلاق التي عاش الإنسان عليها، وقد يقترب من مواجهة بين السلطة والمال، وبينهما إرادة الشعوب، وقد يتعارض مع عالم قديم في طقوسه وأساليبه.. وهذا الصراع لن يحسم في وقت قصير، وقد يمتد قرونا، لأن القديم لن يستسلم، والجديد لن يتراجع، وتبقى الإنسانية في صراعها الدائم بين ماض يفرض وصايته، وجديد يرفع راية العلم والتقدم..

◙ التكنولوجيا ليست عدوا لنا، ولكن الجهل بكيفية استخدامها قد يجعلها عدوا.. وأخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن تصبح الآلة أذكى منه، وإنما أن يتخلى هو بإرادته عن عقله، ثم يجلس أمامها منتظرا منها أن تفكر نيابة عنه.. في زمن أصبح فيه كل شيء قابلا للقراءة والتحليل والتوجيه، ربما أصبح أعظم ما نحتاج إليه ليس مزيدا من المعلومات، وإنما مزيد من الوعي.. فالعقل الذي لا يحرس بابه، قد يدخل إليه أي شيء.

ويبقى الشعر

لا تـَذكـُرى الأمْسَ إنـّى عِشْتُ أخفِيه

إنْ يَغفِر القـَلـْبُ.. جُرحِى مَنْ يُدَاويــهِ

قـَلـْبـِى وعينـَاكِ..والأيَّامُ بَينـَهُمــــــــــَا

دَربٌ طويلٌ..تعبْنـَا مِـــــــنَ مَآسِيـــــهِ

إنْ يَخفِق القـَلبُ كـَيْفَ العُمْرُ نـُرجعُـهُ؟

كـُلُّ الـَّذى مَاتَ فينـَا.. كـَيْفَ نـُحْييـــهِ؟

الشَّوقُ دَرْبٌ طويلٌ عشْتُ أسْـلـُكــُهُ

ثـُمَّ انـْتـَهَى الدَّربُ.. وارْتـَاحَتْ أغـَانِيــه

جئـْنـَا إلَى الدَّرْبِ..والأفـْرَاحُ تـَحْمِلـُنـَا

واليَوْمَ عُدْنـَا بنـَهر الدَّمْــع ِ نـَرْثـِيـه

مَازلتُ أعْرفُ أنَّ الشَّوْقَ مَعْصِيـتـى

وَالعِشْقُ واللـّه ذنـْبٌ لـسـْتُ أخـْفِـــِيه

قـَلـْبـِى الـَّذِى لـَمْ يَزَلْ طِفـْلا ً يُعَاتبُـنِـى

كـَيْفَ انـْقـَضَى العِيدُ .. وانـْفـَضَّتْ لـَيَالِيهِ؟

يَا فـَرْحة ً لـَمْ تـَزَلْ كالطـَّيفِ تـُسْكرنِى

كـَيـْفَ انـْتـَهَى الحُلمُ بالأحْزَانِ.. والتـِّيـــهِ

حَتـَّى إذا ما انـْقـَضَى كالعِيدِ سَامرُنـَا

عُدْنـَا إلـَى الحُزْن ِ يُدْمينـَا .. ونـُدْمِيهِ

◙   ◙    ◙

مَا زَالَ ثـَوْبُ المُنـَى بـِالضَّوْءِ يَخْدَعُنِـى

قـَدْ يُصْبحُ الكـَهْـلُ طِفـْلا ً فِى أمَانِيـــــهِ

أشـْتـَاقُ فِى اللـَّيل ِ عطـْرًا مِنـْـكِ يَبْعَثـُنِى

ولـْتـَسْألِى العِـطـْرَ: كـَيْفَ البُعْد يُشـْقِيـهِ؟

ولتسْألِى اللـَّيْـلَ: هَلْ نـَامَتْ جَوانِحُــــــهُ؟

مَا عَادَ يَغـْفـُو وَدَمْعِــــــى فِى مآقِيــهِ

يَا فـَارسَ العِشْق ِهَلْ فِى الحُبِّ مَغـْفـِرَة ٌ

حَطـَّمتَ صَرْحَ الهَوَى والآنَ تـَبْكِيـهِ

الحُبُّ كالعُمْر يَسْرى فِى جَوانِحِنـــــــَا

حَتـَّى إذَا مَا مَضَى.. لا شَـىْءَ يُبْقِــيهِ

عاتـَبْتُ قـَلـْبـِى كـَثيرًا: كـَيْفَ تـَذكـُرهَـــا

وعُمْرُكَ الغَضُّ بيْنَ اليَأس ِ تـُلـْقــِيــهِ؟

فِى كـُلِّ يَوْم ٍ تـُعيدُ الأمْسَ فى مـــــــلـَل ِ

قـَدْ يَبْرأ الجُرْحُ .. والتذكــارُ يـُحْييهِ

إنْ تُـْرجعِى العُمْرَ هَذا القـَلـْبُ أعْرفـــُهُ

مَازلتِ والله نبْضـًا حائـِرًا فيــهِ

أشْتاقُ ذنـْبى..ففِى عَيْنيكِ مَغـْفِرتِــــــى

يَا ذنـْبَ عُمْرى .. ويَا أنـْقـَى ليَــاليهِ

مَاذا يُفيدُ الأسَى؟ أدْمَنـْتُ مَعْصِيَتِــــــى

لا الصَّفـْحُ يُجْدِى..وَلا الغـُفـْرَانُ أبْغِيهِ

إنـِّى أرَى العُمْرَ فى عَيْنـَيـكِ مَغـْفـــــِرَة ً

قـَدْ ضَلَّ قلـْبـِى فـَقـُولِى..كـَيْفَ أهْدِيهِ؟!

قصيدة  «لأن الشوق معصيتى » سنة 1989

omantoday

GMT 22:04 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

خوذ الأحباء في النبطية

GMT 22:02 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

وسيم الحسَكي وعتَبات الشام

GMT 22:01 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

الحضارات التي تنكسر... لكن كيف؟

GMT 22:00 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر

GMT 21:58 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

أميركا بعد 25 عاماً من هجمات 11 سبتمبر

GMT 21:56 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

نداء النبطية الثاني وتخوم الوعي الجنوبي

GMT 21:55 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

(أوراقي 34).. نادية الجندي صنعت نادية الجندي!!

GMT 21:46 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

خريطة جديدة للعالم

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثورة فى الإعلام أم اختراق لعقول البشر ثورة فى الإعلام أم اختراق لعقول البشر



النجمات العربيات يخطفن الأنظار بإطلالات تراثية في مهرجان فينيسيا

فينيسيا - عُمان اليوم

GMT 00:15 2026 السبت ,12 أيلول / سبتمبر

ترامب يحيي ذكرى هجمات 11 سبتمبر من البنتاغون
 عمان اليوم - ترامب يحيي ذكرى هجمات 11 سبتمبر من البنتاغون

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon