بقلم - إنعام كجه جي
ليلة الثلاثاء الماضي، لم يتوقف ناقوس كنيسة سان جورج عن الرنين حتى السابعة صباحاً. لم ينمْ أهل البلدة الواقعة في منطقة بيريغو، وسط فرنسا. ماذا دهى ناقوسهم؟ لعلّ حرباً وقعت أو زلزالاً ثار أو شخصية مهمة فارقت الحياة.
هناك مشهد يتكرر في الأفلام الفرنسية القديمة. يسحب الراهب المُكلّف بقرع الناقوس حبلاً سميكاً فيضرب الحديد بالحديد وتتوالى الطرقات. يرتفع الحبل المتصل بذراع الناقوس الثقيلة ويرفع معه الراهب مترين عن الأرض. يضحك المتفرجون وهم يرون جبته البيضاء تكشف عن ساقين نحيلتين وقدمين في صندل مهترئ.
ذاك زمن مضى. اليوم تُدار النواقيس بالكهرباء. وتُبرمج وفق مواعيد الصلوات. عشرون دقّة، مثلاً، أو خمسون، قبل كل قدّاس. ويبدو أن خللاً أصاب برنامج كنيسة سان جورج فكان ما كان. قال عمدة البلدة إن ناقوسهم أضاع عقله. لقد جنّ.
أعود لصديقتي الموسوعة وأقرأ أن الناقوس آلة للموسيقى والتواصل. من أقدم الآلات الصوتية. ظهرت آثاره في الصين قبل 4 آلاف عام. يُصنع من البرونز. واستُخدم تاريخياً للدعوة للصلاة أو التنبيه لحدث جلل. يعود وجوده في إنجلترا إلى عام 550. جاء به من أوروبا رهبان آيرلنديون. الأكبر هو ناقوس مينغون في برمانيا. يعود للقرن الثامن عشر ويزن 90 طناً. قطره 5 أمتار. لم ينفع معه الترشيق. وهناك من الفترة ذاتها ناقوس كاتدرائية طليطلة الذي تعرّض للتصدّع.
للنواقيس نغمات. بحسب السلّم الموسيقيّ. منها ما تَصدر عن ضربته نغمة «دو» أو «ري» أو «سول». حسب المصادفة أو مزاج صانعه. وللكاتدرائيات الكبرى عدة نواقيس. هناك عشرة في «نوتردام» أشهر معالم باريس. لكل منها اسم: أكبرها إيمانويل ويعود للقرن السابع عشر وأصغرها ماري، مراهقة في ربيعها الثالث عشر.
في بلادنا العزيزة ناقوس أثري يرتفع فوق كنيسة «أم الأحزان» الكلدانية في مدينة العمارة. وهي من أقدم كنائس جنوب العراق. تأسست عام 1831على أطلال كنيسة سابقة. يقصدها المسيحيون للصلاة والمسلمون لتقديم النذور. فهي تحمل اسم ستنا مريم بنت عمران التي تكرر ذكرها في الكتاب. هذا الناقوس معطّل حالياً وينتظر يد الإصلاح.
والحكاية تجرّ الحكاية. ولا مفرّ من أن تأخذنا إلى قصيدة «سمراء من قوم عيسى». جاء في المرويّات أن عسكريّاً عثمانيّاَ رأى فتاة مسيحية تضرب ناقوس الكنيسة فخلبت لبّه. لعلّه كان من «الجندرمة». أو من «الباش بزغ» الذين رأيناهم في رسوم «تانتان». بقي يفكّر فيها. ولما عاد ثانية على أمل لقائها قال له راهب الدير إن قومها قد رحلوا. ثم جاء شاعر مجهول ونظم القلب المكلوم في قصيدة منسيّة. غنّاها مطربنا ناظم الغزالي فصارت على شفاه العراقيين والعراقيات. منها بيت ذو تلاعبٌ لغويّ يسائل الشاعر فيه نفسه: «أيّ الضربينِ يُؤلمكِ ضربُ النواقيسِ أم ضربُ النَوى... قِيسي!».
ويا سيدي إليك القياس: مليون ناقوس ولا نازلة نَوَى وفراق.