بقلم - مشاري الذايدي
وأنا أتابع كلمة المندوب السعودي في الأمم المتحدة، عبد الله الواصل، من على منبر مجلس الأمن الدولي، شارحاً سياسات بلاده، ومحذّراً العالم من خطر التهاون مع الميليشيات الحوثية في اليمن، طاف بخاطري أطيافٌ من ماضي المنهج السياسي السعودي عبر التاريخ، منهج العلاقات الخارجية مع العالم.
يظنُّ بعض الناس، بحسن أو سوء نيّة، أن المملكة العربية السعودية كيانٌ حديث النشأة، وأن العلاقات الخارجية أمرٌ طارئ عليها، وليس هذا بصحيح، بل هناك ما يمكن وصفه بالمدرسة السعودية في السياسة الخارجية، عمرها زهاء ثلاثة قرون!
مع توسع الدولة السعودية الأولى، ووصول نفوذها إلى قرب الوكالة البريطانية في الكويت والبصرة (عام 1798–1799م)، أرسلت بريطانيا ممثل شركة الهند الشرقية البريطانية السيد جون رينو إلى الدرعية، وأجرى رينو محادثات مع الإمام عبد العزيز بن محمد؛ وكان الهدف الأساسي لبريطانيا الحصول على ضمانات لحماية سلامة بريد الشركة والخطوط التجارية التي تمر عبر الطريق الصحراوي من البصرة إلى حلب، والتي كانت تقطنها قبائل خاضعة لنفوذ الدولة السعودية. استجاب الإمام عبد العزيز بن محمد لهذا الأمر وتعهّد بحماية التجارة وطرقها من العراق للشام، وصولاً لمرافئ البحر الأبيض، استشعاراً منه لحيوية هذه المسألة من أجل حياة الدولة ورفاه الناس.
في الدولة الثانية، كان العهد الذهبي السعودي أيام الإمام فيصل بن تركي جدّ الملك عبد العزيز، وقد استمر عهده 23 سنة، وكانت حكومة الهند البريطانية ترى في نفوذ الإمام فيصل على القبائل شرق الجزيرة العربية من أقصى شمال الشرق لأقصى جنوبه، عامل استقرار يصب في مصالحها التجارية والأمنية، لأن ذلك النفوذ يحقق الاستقرار والأمن في الداخل، ويحول دون انتقال الصراعات من الداخل إلى السواحل والموانئ.
كما أن الإمام فيصل كان يتواصل مع البريطانيين، ويبلغهم دائماً بحرصه على التوصل إلى علاقات سلمية معهم، وحماية التجارة وعدم التعدي على مراكبهم التجارية ورعاياهم.
قبل وفاة الإمام فيصل بأشهر من عام 1865 بعثت بريطانيا مندوبها الشهير، الكابتن لويس بيلي، للتباحث مع الإمام فيصل في شؤون السياسة الإقليمية، وكانت رحلة مثيرة سجّل بيلي تفاصيلها في كتابٍ منشور.
أمّا في عهد الملك عبد العزيز، فلا يحتاج الأمر إلى كثير شرح، يكفي أن نتأمل في مسألة واحدة، وهي: كيف حمى الملك عبد العزيز الدولةَ والناسَ من عواصف الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، هذه العواصف التي أسقطت إمبراطوريات وملكيات ومشيخات، من خلال رسمه لسياسة خارجية متوازنة؟ وكيف جعل بلاده عنصر تعزيز للأمن الإقليمي والتجارة والحركة؟
اليوم، وحين انتهى المندوب السعودي من تلاوة كلمته أمام العالم، بدَت لي تلك الطيوف العظيمة من الماضي، تبتسم وتُلقي التحيّة!