بقلم - جمعة بوكليب
المستشار عقيلة صالح الذي تربَّع على كرسي رئاسة مجلس النواب الليبي اثنتي عشرة سنة (2014 - 2026)، أُزيح عنه في أقل من أربع وعشرين ساعة. جاءت الإزاحة فجأة، وبدَفعةٍ واحدةٍ من أغلبية النواب، الذين صوّت منهم نحو 98 نائباً لصالح تعديل اللائحة الداخلية للمجلس، بحيث تُحدَّد ولاية الرئاسة بعام واحد وتُجرى انتخابات فورية.
لكن سيناريو السقوط أو الخلع لم يكن وليد قاعة البرلمان وحدها. فخلف التصويت، كما يبدو، صعودُ توازنات ميدانية وعسكرية جديدة في الشرق الليبي، تتقدمها قيادة القوات المسلحة وأبناء المشير خليفة حفتر الذين تسلّموا زمام المبادرة الدبلوماسية والسياسية. يُضاف إليها، حسب ما اتضح، تفاهم مع قوى في الغرب ومع البعثة الأممية الراغبة في حسم الانسداد، وبمباركة من المبعوث الأميركي مسعد بولس.
وفي جلسة عُقدت في اليوم التالي، جاءوا (النواب ومن يقفون وراء الكواليس) بنائب آخر ومن القبيلة نفسها، قبيلة العبيدات، هو النائب الصالحين عبد النبي. وأجلسوه على الكرسي نفسه، وسريعاً طووا صفحة المستشار عقيلة وفتحوا أخرى. لا أحد بمقدوره التكهن هل ستكون الصفحة الجديدة مثل السابقة أو مختلفة.
قد يرى البعض في ذلك دليلاً جديداً على أن الدنيا في ليبيا «تتقلب ولا تتغير»: وجه يرحل ووجه من المنبت القبلي والسياسي نفسه يحلّ محله. غير أني أرى الأمرَ هذه المرّة مختلفاً، أو بالأصح أتمنَّى أن يكون مختلفاً. ذلك أن خروج أو إزاحة المستشار عقيلة صالح ليس بسهولة تغيير رئيس حكومة وتعيين آخر مكانه.
تخصصَ المستشار عقيلة صالح في لعبة تدوير الحكومات، وإدارة التوازنات المعقدة بين الشرق والغرب، واللعب على حبال الخلافات الإقليمية لإطالة عمر سلطته، والشطارة في وضع العصي في دواليب كل محاولة لزحزحة الأزمة. إلا أن موقفه المعارض لمقررات لجنة «4+4» كان القشَّة التي قصمت ظهر بعيره. إذ أخطأت حساباته، وأجبر على دفع الثمن. وهو الآن خارج الملعب.
جاء السقوط سريعاً وشديداً، كنيزك اخترق سماء ليبيا في الأيام الماضية ثم هوى. وكان خروجه من أضواء مسرح احتكره سنوات مصدر ارتياح لدى الشارع الراغب في التجديد، واستياء وصدمة لدى مقربيه ومستشاريه. غير أنَّ الأهم أنَّ رسالة السقوط نفسها بقيت مكتوبة بلغة واضحة على الجدران لمن بقي في المشهد: من التالي؟ يرجّح عدد من المعلقين أن يكون رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي المرشح التالي للإزاحة من كرسيه.
ولعلَّ مصير المقربين من المستشار عقيلة، من جوقة المستشارين والشركاء الذين رافقوه من مكان إلى آخر ومن عاصمة إلى أخرى، يكون الأول في الإجابة. فنفوذهم السياسي والمالي لم يستند إلى قاعدة شعبية أو مؤسسية، بل كان مستمداً بالكامل من وجود عقيلة على رأس الهرم. وبغيابه تلاشت المظلة التي كانت تحميهم وتمنحهم شرعية التحرك.
يبقى السؤال الأهم: هل تفتح إزاحة عقيلة صالح - وقد عدّه كثيرون عقبة كأداء - الطريقَ إلى مرحلة مختلفة نوعياً، تُجرى فيها انتخابات نيابية ورئاسية بعد عامين، كما قررت لجنة «4+4»؟ وهي لجنة الحوار المصغرة التي تضم أربعة ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وأربعة ممثلين عن القوات والمؤسسات في الشرق، برعاية الأمم المتحدة. وهل نشهد عن قريب تعيين مجلس رئاسي جديد وحكومة وحدة وطنية جديدة، بمهمة عقد الانتخابات وتوحيد المؤسسات؟ أم أنَّ كرسي رئاسة مجلس النواب سيعيد إنتاج اللعبة نفسها بلاعب آخر؟
أول المؤشرات الإيجابية أنَّ الرئيس الجديد لمجلس النواب تلقى، حسب وسائل الإعلام، العديدَ من رسائل التهاني من داخل ليبيا وخارجها، في مقدمتها الإدارة الأميركية. لكن لاعبين آخرين في الأزمة الليبية التزموا الصمت. وليس أمام الليبيين سوى ترقب الخطوة التالية: هل مثلاً تسرع لجنة «4+4» إلى الإمساك بخيط المبادرة، وتنتقل سريعاً إلى تنفيذ ما بقي من بنود الاتفاق؟
يصعب التكهن في مسرح سياسي يتحرك بمستويين: ظاهر وخفي، مستوى الخشبة ومستوى الكواليس. فأغلب من يظهرون على الخشبة أمام الجمهور يتحركون وفق مشيئة من يمسكون بالخيوط وراء الكواليس، وهم كُثر، بجنسيات مختلفة ومصالح متضاربة.